تأويل القرآن العظيم

تأويل القرآن العظيم-أنوار التنزيل وحقائق التأويل

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

لقد نهج العلاَّمة الجليل محمد أمين شيخو بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً، لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها، ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول.
إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ، يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته... فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان، كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات: {.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.



الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  •  الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل القرآن العظيم - جميع المجلدات

  • الإهداء
  • مقدمة
  • تأويل جميع سور القرآن الكريم (باستثناء جزء عم)

  • عنوان الكتاب: تأويل القرآن العظيم
  • السلسلة: (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 10.8 MB
  2. ePUB: 1.91 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

كتاب صوتي:

معلومات الكتاب الصوتي

  • الكتاب الصوتي بصيغة MP3. 
  • الكتاب الصوتي مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:

معلومات الكتاب الورقي

  • الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.
تأويل القرآن العظيم - جميع المجلدات

  • السلسلة: أنوار التنزيل و حقائق التأويل
  • الناشر: CreateSpace Independent Publishing Platform
  • الطبعة: 1، (2015)
  • اللغة: العربية

الكتاب الإلكتروني مجاني في موقعنا ومتوفر بعدة صيغ، وسهل التصفح والحفظ "على الذاكرة" في جميع الأجهزة، وبجميع الأنظمة: أندرويد، آيفون، كاندل، ويندوز، وغيرها...
أما الكتاب الورقي فهو منشور للراغبين فقط باقتناء الكتب الورقية، ولمن يفضلون القراءة منها.


أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ..} ما هو اللسان هنا؟ هل يعني لغة الخطاب أم المحصول المعرفي للقوم ودرجتهم الحضارية ومخزونهم الثقافي؟


لسان قومه يعني كل ما ذكرت. أولاً يأتي بلغتهم كما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم باللغة العربية {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} سورة الشعراء: الآية (195): كما كانوا بزمن سيدنا عيسى مخزونهم الثقافي ومحصولهم المعرفي ومتميزين في مجال الطب فأتاهم بما عجز طبهم عن الإتيان بمثله. أما العرب مخزونهم الثقافي كله كان ببلاغة اللغة العربية، فأتاهم ببلاغة القرآن ما عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، كذلك بعهد سيدنا موسى كانوا متفوقين بالسحر فأتاهم بما عجز سحرهم عن الإتيان بمثله، ما أزهق علومهم السحرية بحيث عاد هؤلاء الأساطين عن سحرهم وساروا مع سيدنا موسى. أما اللغة فمهما كانت، تُترَجَمُ معانيها إلى اللغة المناسبة لأن اللسان تُتَرجَمَ معانيه إلى كافة اللغات فيعمم.

جزاكم الله كل خير على هذه العلوم التي تعيد إلى القلوب حياتها
لدي سؤال عن سورة الصافات، فكما قرأت في كتب العلّامة محمد أمين شيخو قُدِّس سرّه أن كل سورة تدور حول موضوع يريد الله سبحانه وتعالى أن يوصلها لنا.
فما هو الموضوع التي تدور حوله سورة الصافات؟
جزاكم الله كل خير.


ذكر الله تعالى لنا في مطلع هذه السورة آيات كونية تدلنا إن نحن فكرنا بها على عظمة الصانع جلَّ وعلا، فمن الصنع ننتقل إلى الصانع.
فالصافات هي هذه النجوم السابحات في أفلاكها الواسعة، وإن فكّرت بها كما فكر أبونا إبراهيم الخليل عليه السلام تتوصّل إلى عظمة الإلۤه خالقها ومنظمها ومبدعها، وهي بلا شك هذه الصافات مفتاح السورة، فعندما تتوصّل للإلۤه عن طريقها وبواسطتها تجد نفسك قريباً من الله عندها تفهم كلامه، ومعاني السورة تعود لنفسك فترى ضآلتها اتجاه خالق السموات، ويكون لك في سيدنا إبراهيم أسوة حسنة حينما قال عنه تعالى في نفس السورة: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ(89)}.
وهاهو رئيس أميركا أثناء الحرب العالمية الثانية (روزفلت) كان يصعد إلى غرفة التلسكوب ويقول لرئيس وزراءه: تعالَ بنا نرى ضآلتنا اتجاه هذه النجوم العظيمة، ويجلس ليراقب النجوم عن طريق التلسكوب.
فالنجوم العظيمة إن فكرت بها ترى صغر حجمك وضآلة نفسك اتجاه خالقها، ومتى وصل الإنسان للإلۤه فيستعظمه ويرى نوره فيرى كلَّ شيء، لأن الله يقول: (ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كلَّ شيء).
فالنجوم هي سبب الوصول للإلۤه لأنها خالية من الشهوات.
فالإيمان بلا إلۤه إلا الله وهذه السورة والقرآن كله خلاصته دعواها وتطبيقاته للوصول للا إلۤه إلا الله، فطريق الوصول هو هذه النجوم العظيمة، وهذه المجرات والأبراج التي تكشف ضعف الإنسان ليتخلّى عن كبره ويؤوب إلى ربه خاشعاً خاضعاً، فيفهم معنى كلامه تعالى ويفهم معنى هذه السورة ويعلم أن هذه النجوم السابحات دون طغيان على غيرها وبسبحها يكون إمداد الشمس وبالتالي إمدادنا، فهي بالحقيقة مفتاح السورة ومفتاح الإيمان.
ولولاها "هذه الصافات" لما أكلنا طعامنا ولما شربنا ماءنا، لأن الشمس تحلَّ بها اثنتا عشرة مرة، في كلّ شهر تحلّ في برجٍ من أبراجها الإثني عشر فيمدها البرج بالطاقة والإمداد والضياء والنور، وهكذا تدوم الحياة فهي لا تطغي ولا تبغي.
(زاجرات): ولكنها تعطي وتمنح وبما أنها كانت في عالم الأزل نفوساً مجردة وخافت الخسارة إن هي حملت الأمانة فأحجمت عن حملها وحملها الإنسان، وطلبت هذه النفوس العظيمة والتي هي طالبة لخدمة الإنسان لتعينه بنجاحه وإيمانه، لذا شكّلها الله وجعلها نجوماً عاليات سائحات سابحات. طلبها هداية الإنسان الذي ضلَّ عن ربه ليرجع عن طريقها إلى خالقها.
فإذا طلب الإنسان ربه (وبالحقيقة أن كل مؤمن يطلب لقاء الله فإنما يصل بواسطتها للإيمان بالله ولمس الوجود الإلۤهي) وهذا هو طلبها أيضاً، لذلك تتلو عليه ما فيها، أي تعطيه من عطائها، أي تكرّر عليه عطاءها ليناله.
نعم هي لم تنقطع عن حضرة الله طرفة عين، لأنها لم تحمل التكليف ولم تخالف، وتريد أن تصل بمن يطلب ربه عن طريقها لما هي واصلة إليه، فكل من صدق بطلب الإيمان وخاف من الخسارة وفقدان الكرامة والذل وطلب الإيمان لينجو، فهي تهبه -حين ينظر إليها طالباً لربه- من مشاهداتها، فيشاهد ربه بمقدار ما تشاهده هي، لقد كررت له عطاءها بأن تلت عليه ما فيها.
ونعيد: بما أن الغاية من هذه السورة ومن القرآن كله، الإيمان بلا إلۤه إلا الله، فكانت هذه الصافات هي السبيل الأساسي للإيمان الحق، فالخلاص من كافة الشهوات الدنيوية. ثم بعد عدة آيات يتكشف لك أن الله هو صاحب العطاءات كلها وصاحب عطاءاتها، وهو موجد الصافات وقيّومها وممدّها لنا ومن أجل إيماننا لقوله بالآية رقم (165) من نفس السورة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} عندها ترى أنه لا إلۤه إلا الله وتفقه معاني السورة.
ملاحظة: سيدنا إبراهيم عليه السلام نظر مباشرة بالنجوم، طالباً التوصّل للإلۤه العظيم، ولم يسبقه تفكر بالموت وتابع التفكير بالكون حتى نال ما نال من إيمان حقيقي يقيني، وهذا قانون وسنَّة لكل طالب للإيمان ولكن سيدنا إبراهيم بما أنه منذ نشأته الأولى سلك لهذا القانون ولم يخالط حب الدنيا قلبه أبداً لذا وصل، أما نحن ما دون الأنبياء، بما أن الدنيا وحبها خالط قلوب الناس، فلابدّ أولاً من التفكير بالموت لكي تخاف النفس على مصيرها المحتوم ونزول القبر ووحشته، عندها وبهذا الخوف تلتجئ النفس للفكر طالبةً الخلاص، والفكر والحالة هذه يعمل ويبدأ الإنسان التفكير بصدق خوفاً من الذل والهوان ونزول القبر وظلمته، فتخلو النفس من حب الدنيا، فإن فكّر بعدها بالنجوم طالباً الوصول للإلۤه فسرعان ما يصل، عندها يغدو مؤمناً مستنيراً بنور ربه قريباً منه فيفهم معاني السور، والقرآن هو للمؤمنين فقط {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى..} سورة فصلت: الآية (44). فلا يفهم معاني كلام الله إلا المؤمنون.

قال الله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}
هل الجزاء والعطاء على العمل الصالح يكون فقط الضعف كما ورد بالآية الكريمة السابقة؟
أم أن الله تعالى يجزي على العمل الصالح عطاءً غير محدود؟


الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين
يكون الجزاء على العمل الصالح عطاءً غير محدود، والضعف هنا تعني مضاعفة الجزاء من ضعف إلى ضعف بزيادة لا نهاية لها، وكرمه تعالى أكبر وأكبر يضاعف الأجر أضعافاً لا حدَّ لها والله ذو الفضل العظيم.
{..جَزَاء الضِّعْفِ..}: أي بشكل مضاعف أي " متوالية هندسية".
والله يخلق أولاً ذكراً وأنثى في البداية، ثم البشرية كلُّها تتضاعف منهما هذا هو خلق الله بشكل مضاعف، كذلك عطاؤه تعالى متوالٍ متنامٍ متزايدٌ بديمومة لا حدَّ لها.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كما نعلم بأن النفس لا تموت، والآية الكريمة: {..وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ..} فكيف النفس هنا تموت؟
ولكم جزيل الشكر بالشرح.


كلمة مَوَتَ: أي انقطع. الموت: هو انقطاع عمل الإنسان، لأنّ عمل النفس يقوم على حياة الجسد، وتموت النفس عندما ينقطع عنها العمل، وهذا بتوقف الحياة عن الجسد فلن يعمل.
وليس معنى: (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ): العدم.
فالنفس لها سؤال القبر وحياة البرزخ وعليها الجنة أو النار، فلا عدم. فبالآية الكريمة: (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ): بمعنى توقف عملها بواسطة الجسد، أما الجسد فيفنى ولا يرجع إلا يوم القيامة. وسُمّيت القيامة لأنه بذاك اليوم تقوم الأجساد.
والله تعالى يقول عن الشهداء: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} سورة آل عمران: الآية (169).

فالله ينفي الموت عن النفس، لأن الجسم يفنى والروح ذهبت إلى بارئها، والنفس هي الباقية فهذه النفس لا تموت، عدم لا يكون. أما إن ذكرت بالموت يكون بمعنى أنّه انقطع عملها بتوقف الحياة عن الجسد، عدم لا يكون وقد قال الإمام الغزالي-حجة الإسلام- رحمه الله:

لا تظنوا الموت موتا إنه    لحياة وهو غايات المنى
لا ترعكم هجمة الموت   فما هو إلا إنتقال من هنا

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا).
إذن: فالنفس بعد الموت في حياة نفسية ولكن من نوع آخر.

ضمير الغائب إذا دخل على حرف الجر وهو (على) كان مكسوراً مثل: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ..} ومثل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..}، ولكن جاء في سورة الفتح مضموماً في قوله تعالى: {..وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ..}.


{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 10].

عندما خرج المسلمون مع رسول الله ﷺ من المدينة قاصدين البيت الحرام معتمرين، رفض أهل مكة دخول المسلمين وكان صلح الحديبية، بعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه للمفاوضة مع قريش، ولما تأخّر سيدنا عثمان ظنَّ المسلمون أن المشركين غدروا به وقتلوه، فكانت بيعة الرضوان، بايع المسلمون رسول الله ﷺ على الشهادة في سبيل الله، إذ أنهم لم يخرجوا للقتال ولم يعدّوا له العدّة، إنما كان خروجهم للعمرة فقط، وفوجئوا بهذه الحادثة، فبايعوا الرسول على القتال في سبيل الله حتى الشهادة، ومعنى المبايعة هنا هي أخذ العهد والمواثيق وهي المشاركة مع رسول الله ﷺ، فقد باعوا نفوسهم لله وللرسول وشاركوا رسول الله ﷺ بأن لهم الجنة، فضحُّوا بالغالي وبأعزَ ما يملكون (والجود بالنفس أسمى غاية الجود)، لذا ضمهم رسول الله ﷺ بعهدهم هذا وغمرهم بحاله الشريف القدسي، فارتفعوا إلى مراتب ومنازل ما كانوا ليبلغوها لولا مشاركتهم ومبايعتهم لرسول الله على الموت.

بايعوا الرسول يعني بايعوا الله، هو ﷺ خليفة الله في أرضه وسفيره، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ..}: بلغوا في هذه البيعة التقوى، قال تعالى: {..وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا..} [الفتح: 26]. والتقوى: هي الاستنارة الدائمية بنور الله، فقد شاهدوا أسماء الله الحسنى عن طريق رسول الله ﷺ ورفعهم رسول الله ونهض بهم، وبضمّه لهم وانضمامهم له ورسول الله دوماً مع الله لذا صار لهم الدخول على الله وبلغوا مرتبة التقوى، واسم الله هو لفظ الجلالة المفخّم الجامع لأسماء الله الحسنى كلها.

وإذا بدا لنا أن المبنى تضارب مع المعنى، ونظر الإنسان بكلام ربه نظرة المفكر لوجد أن المبنى يتبع المعنى ويخضع له، ولوجد أن المعنى جاء بهذه الصيغة ليبيِّن المعاني السامية من وراء ذلك، فاللغة العربية تخضع للمعاني القرآنية السامية العليّة، فالمعنى هذا لا يأتي الخفض والكسر، أي: (عليهِ). إنما هو بالرفع والضم (عليهُ). فهم بهذا العهد الذي عاهدوا الله والرسول عليه سموا وعلوا ودخلوا مدخلاً كريماً على الله وغدوا بقلوبهم في الجنات ولن يخرجوا منها، وهذه الشهادة تختلف عن أي شهادة أخرى، هنا الشهادة عن طريق رسول الله ﷺ بذاته وبمشاركته ففيها الدخول على الله تعالى من أعظم باب وبه ﷺ يتم بلوغ درجات عليَّة لا يستطيع المرء بلوغها بدون رسول الله وبها الرفع والنهوض، (عليهُ): أي على العهد ولا يمكن أن تكون هذه إلا بالرفع وليس بالخفض وهذا الرفع ليس بعده خفض أبداً.

ومن الأمثلة الواردة في القرآن، والذين سموا وعلوا عن طريق رسولهم وسراجهم المنير، السحرة الذين قدَّروا وعظَّموا سيدنا موسى عليه السلام فدخلوا من بابه على الله وبذلك ارتفع قدرهم وسموا فوق العالمين وضحّوا بالدنيا وما فيها، إذ قالوا لفرعون: {..فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72]: لا قيمة لها عندنا، شاهدوا الأزل والآخرة وتحدَّثوا عن أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وذلك بلمح البصر ودون أن يسمعوا هذا البيان العالي من أحد، إنما فقط بارتباط نفوسهم بنفس سراجهم المنير سيدنا موسى عليه السلام وتقديره وتعظيمه، فبعد أن كانوا في أسفل سافلين أضحوا في عليين، ونهوض بعد انخفاض وعزٍّ بعد انكسار.

إذن: (عليهُ) هذا الرفع دلَّ على علو شأنهم ورفعتهم بدخولهم المدخل السامي عن طريق رسول الله ﷺ الذي لا انخفاض بعده.
إذن: حتى الحركات من كسر ورفع ونصب لها معانٍ سامية في القرآن.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: إن لله تسع وتسعون اسماً مجموعة في اللفظ المفخَّم (الله)، وهؤلاء الصحابة الكرام عندما بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة عملياً بايعوا الله تعالى بلفظها المفخَّم والذي يدلُّ على كامل الأسماء الحسنى، وذلك ما تشير إليه الآية في مطلعها: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ..}.
إذن هم بايعوا الله تعالى، واسم الله جامع لكافة الأسماء الحسنى، وبذا صار لهم الدخول على الأسماء الحسنى جميعها، وفي تتمة الآية: {..وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ..}، كذلك سوف تأتي حصراً باللفظ المفخَّم (الله) لأنهم بالأصل عاهدوا (الله) والوفاء سيكون مع (الله) باللفظ المفخَّم، ولا يصح أبداً أن يكون (الله) باللفظ المرقق، لأن لفظ (الله) المرققة إنما تدلُّ على اسم واحد فقط وهو الإلۤه، وبذلك يكون فيه انخفاض مرتبتهم ومنزلتهم.
والصحيح أن تكون (الله) باللفظ المفخَّم لتبقى لهم مرتبتهم مرفوعة بالرفعة (عليهُ)، ودخولهم على سائر الأسماء الحسنى، وليرفلوا بلباس التقوى.
{..وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..} [البقرة: 212]: يومها ترى الخلائق فوقية المتقين كهؤلاء على العالمين.


استمع مباشرة:

سلسلة تأويل القرآن العظيم


اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى