تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
{نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]
{نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ..}: مكان الزرع ومنبع الخيرات. {..فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ..}: طريق الحرث فقط. {..أَنَّى شِئْتُمْ..}: أي وقت كان. {..وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ..}: افعلوا ما يقوِّي أواصر المحبة بين الزوجين من حسن المعاملة والمعاشرة وحسن المظهر والكلام الحسن قبل المقاربة حتى يكون الأصل والماء الذي يخلق منه الولد من منبعه ليس فيه مرض ولا جرثوم. {..وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ..}: يجب أن يحصل لك علم أنه معك دوماً حيثما وأينما سرت. {..وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}: بالجنة.
الأستاذ المربي عبد القادر الديراني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكرت المرأة في القرآن الكريم كثيراً فمرات عديدة ذكرها الله سبحانه وتعالى باسم المرأة ومرات ذكرها سبحانه وتعالى بالزوجة وفي بعض المرات ذكرها سبحانه وتعالى بالأنثى فلماذا ذكرت بأكثر من اسم وهل هو من إعجاز القران؟ ولماذا تذكر في كل مرة باسم مختلف وهل لهذا علاقة بحالة الإيمان لديها؟ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}. وذكرت بسور أخرى بالمرأة قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا}.
والسؤال لماذا لم يقول الله تعالى زوج نوح وزوج لوط؟؟؟ وقوله تعالى أيضاً في امرأة فرعون، في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}. وقال تعالى على لسان زكريا: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا} وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء}. وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}.
يرجى شرح الفرق ولماذا ذكرت في طلب سيدنا زكريا بالأولاد في أول مرة بالمرأة وثاني مرة بالزوج.
لكل كلمة معنى وهي حسب ورودها في الآية الكريمة:
فالزوجة: مأخوذة من الازدواجية والمثنى، وذلك بالرابطة النفسية لأن الزواج إنما هو زواج نفسي ورابطة نفسية فهو يقول لها حين العقد: (زوجتكِ نفسي لنفسكِ) وهي تقول: (زوجتكَ نفسي لنفسكَ).
إذن: الزواج ليرقى الأعلى بالأدنى في مدارج الإيمان وليس الزواج جسدي لحمي فقط، لقضاء شهوات منقضية فحسب.
والمرأة: الرجل مرتبط بالأعلى برسول الله صلى الله عليه وسلم بروابط التقدير والمحبة وهذه الروابط معنوية قلبية، والمرأة ترتبط بزوجها فينعكس عليها ما يناله الرجل بسعيه وإيمانه وتقواه، يعود لبيته ليرى ذلك في صفحات نفس امرأته.
فالمرأة: مرآة زوجها وهو ينقذها ويأخذ بيدها وذلك بإخلاصها له.
وهكذا أمهاتنا زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعكس عليهنّ من جانب رسول الله سيّالات من الأنوار والمحبة الإلۤهية.
امرأة نوح وامرأة لوط بلغوا منازل عالية ومدارج راقية بمعية سيدنا نوح وسيدنا لوط عليهما السلام ونالوا عن طريقهما نوالاً عظيماً ولكنهما تحولتا عنهما، امرأة سيدنا لوط تحولت بنفسها وحوّلت وجهتها نحو قومها وأهلها الأرذال، فصارت تلمّ منهم الأوضار والخبائث فهلكت بهلاكهم إلا أنها نالت في البداية مع سيدنا لوط نوالاً كبيراً وبلغت مراتب عليّة فوق العالمين وفيها قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً..} سورة النحل: الآية (92).
وكذلك امرأة سيدنا نوح تحوَّلت عن سيدنا نوح إلى ابنها، وابنها متحوَّل للمجتمع الفاسد فكان المشرب آسن نتن فهلكوا جميعاً.
المرأة مشتقة من كلمة المرآة، أي تغدو نفسها بالإخلاص لزوجها مرآة لنفسه، يغدوان كنفس واحدة، وعكسهما تماماً امرأة فرعون كم كانت ستعب من طرف فرعون أوضاراً وينعكس فيها إعراضاً وأمراضاً من ناحيته، إلا أنها وبتوجهها لسيدنا موسى وتعلقها به قلبياً نالت منزلةً عالية ومرتبة سامية حتى أنها تخلت عن مُلك فرعون والنعيم الدنيوي، إذ قالت: {..رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ..} سورة التحريم: الآية (11).
أما كلمة أنثى: فهذا اسم جنس يصح على كل مخلوق من المخلوقات سواءً أكان مكلفاً أو غير مكلف فللقط أنثى وللذئب أنثى وللحصان أنثى وللجمل أنثى وهكذا...
ولا يصح أن تقول عنها زوجة أو امرأة.
والأنثى كذلك تَصِّح على الإنسان أيضاً، فهنالك نوعان: (ذكر) وهو الذي يقوم بالتذكير فيتذكر الغاية التي قَدِم لهذه الحياة من أجلها ويتذكر عهده وميثاقه فيعمل لأجل نجاحه ولوفائه، وكذلك يقوم بتذكير غيره من الإناث الزوجات اللواتي نسين العهد والجنات، فعلى الذكر هدايتهن وبإنسانيته يعيدهن لربهن ليصبحن حوراً عين كأنهن اللؤلؤ المنثور وينعمن بالجنات لذا كان مقصد الزواج نفسياً ليرقى بنفسها للسمو والعلو لا ليكونوا شهوانيين اللحم، كأكلة لحوم البشر.
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً}
ما معنى تعبير المنافقين بكلمة: (إن بيوتنا عورة)؟
وقعت هذه الآية بوقعة الخندق "الأحزاب" وظهر نفاق المنافقين وكذبهم وجبنهم وعدم نصرتهم للحق ونفاقهم.
فالمقصود بكلمة {..إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ..}: أي لا أحد في البيت عند نسائهم يأتيهم بما يحتاجون إليه، ويخشون عليهن من أن يُظلمن أو أن يصل الكفار إلى بيوتهم فيتعرضوا لنسائهم وليس هناك من يذود عنهن ويحفظ شرفهن وعرضهن.
قالوا ذلك كذباً وزوراً، والحقيقة أن هذا عذر واهٍ فبيوتهم كبيوت المؤمنين بالمدينة بأمان والعدو أمامهم، ولا صحة لكلامهم.
وهكذا الغني يعتذر باحتياجه لرأس ماله في مشاريعه، وصاحب الجاه يخشى على منصبه فلا يبذل جاهه، وكل امرئ وله صفة يخالف الحق بها، فهذا معدود من جملة النفاق، وكذلك كل مقصِّر بواجبه إن لم يتقن عمله وصنعته فهو مؤاخذ، أنت جئت لتكون محسناً ومن لا ينفع وينتفع من عمل الصالحات فهو منافق.
ما هو الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؟
هذه الكلمات (علم اليقين) و (عين اليقين) الواردة في سورة التكاثر {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}.
اليقين: هو ثبوت الأمر واستقراره في النفس، تقول: يقن الماء في الكأس، إذا استقر وهدأ.
والعلم: هو الرؤية والمشاهدة، وهذه الرؤية على نوعين:
1- رؤية ترى بها النفسُ صور الأشياء.
2- رؤية ترى بها حقائق الأشياء، أي: ما فيها من الشر أو الخير.
فأما رؤية الأشياء، فهذا يكون بواسطة العين، إذ أن النفس في هذه الحال ترى الخيال المرتسم على العين، والعلم المبني على هذه الرؤية المذكورة هو علم ولكن ليس بعلم اليقين.
أما رؤية الحقيقة، فإنما هي إدراك النفس بذاتها ومشاهدة ما في الأشياء من الشرِّ والخير بعين النفس ذاتها سواء كان هذا الإدراك مبنياً على سماع أو رؤية بالعين، وهذا العلم المبني على هذا النوع من الرؤية هو علم اليقين، ولكن كيف تستطيع النفس أن تدرك ما في الأشياء من الشرِّ أو الخير؟ فنقول:
هذا الإدراك يحتاج إلى نور من الله أقوى من الأنوار المادية من نور الشمس والكهرباء و... فإذا أقبلت النفس على ربها، هذا الإقبال لا يكون إلا بالصلاة، تلك الصلاة التي تجتمع فيها النفس بكليتها مقبلة على ربها بمعية السراج المنير ﷺ، وبهذا الجمع والإقبال تستنير بنور الله عن طريق رسول الله لأنه لم ينقطع عن الله، ولأنه لا يزال ﷺ نوره سارياً من الله، وذلك النور هو الذي يكشف لها الحقائق المستكنّة وراء الصور والظواهر، فالمدار إذن كله على الصلاة، وعلم اليقين لا يكون إلا بالصلاة، وما الخلاص من الشرور إلا بالصلاة الحقيقية، قال تعالى: {..إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..} [العنكبوت: 45].
وبالصلاة الصحيحة يحصل للنفس نور من الله بمعية رسول الله وترى عظمة الله وجلاله وتشهد طرفاً من الكمال الإلۤهي الذي لا يتناهى، وتجد أن الحمد لله وحده فتعظّم خالقها وتحبُّه وتسبح في صلاتها سبحات وتهيم بأنوار وأسماء الله هياماً، وتتذوّق معاني كلام ربها بتلاوتها للآيات الكريمة، فعندها تتكشَّف لها حقائق ما كانت تعلمها من قبل، فتراها ظاهرة جلية، فإذا تَلَتْ أوامر ربها شهدت ما فيها من الخير وإذا هي تَلَتْ نواهيه رأت ما في ارتكابها من الشر، وتكون هذه الرؤية وإن شئت فقل هذا العلم الذي تكسبه النفس في مثل هذا الحال علماً بحقائق الأشياء، أي: بما فيها من الشرّ والخير، فذلك هو العلم الحقيقي الذي سمَّاه تعالى علم اليقين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ..} [الحديد: 28]: بهذا النور تعلم علم اليقين.
أما كلمة: (عين اليقين) الواردة في الآية: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} أي: سترون حقائق الشهوات والشر الذي انطوت عليه بعين اليقين، أي: بعين النفس لا بعين الرأس، ببصائركم لا ببصركم، وسترون الحقائق ظاهرة لكم تشهدون حقائق ما كسبتم. وهذه الرؤية: النفس بذاتها ترى ذلك دونما حجاب يحجبها وذلك بعد الموت ومفارقة النفس للجسد، كما في الآية: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [قـ: 22].
أما كلمة: (حق اليقين) الواردة في سورة الواقعة، الآيات قبلها: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} أي: أن ما جاء ذكره بالآيات السابقة واقع لا محالة وحقّ وبالحق والاستحقاق وهذا ما سيثبت ويستقر في النفس، فالنفس سوف يحلُّ بها أحد الأحوال الثلاثة السابقة ويستقرّ فيها وتعيشه ويلبسها لبساً كاملاً بعد زوال عالم الصور إلى عالم الحقائق، وبعد الموت لا توجد صور بل فقط حقائق تعاينها النفس بذاتها وتوقن بها، وهذه هي الحقيقة.
ورد في سورة من القرآن الكريم: {..لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى..}. كما وردت في سورة في القرآن: {..إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ..}. والسؤال:
هل طلب سبحانه وتعالى من المصلي ألا يقرب الخمر عندما يصلي وبعد الصلاة لا مانع ثم نزلت السورة الثانية وهي أنه رجس فاجتنبوه!
أرجوا الإجابة وتوضيح معنى الآيتين وما وجه الشبه بينهما ودمتم لنا قدوة في الدنيا والآخرة؟
الخمر: من المسكرات لأنه يستر الفكر ويذهب به وتبقى النفس في حجاب عن الفكر، فيفعل السكران ما يفعل دون وعي منه ولا تفكير. والخمر مأخوذة من: (خَمَرَ) أي: حَجَبَ وغطى.
وهناك سكر من غير خمر، كما في الآية الواردة في مطلع سورة الحج الآية (2): {..وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى..}: فالسكر هنا ليس نتيجة شرب الخمر، فمن شدة العذاب والأهوال التي يلاقيها الناس تراهم سكارى وفي ذهول.
وهناك سكرات الموت: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ..} سورة ق: الآية (19).
والذي يسترسل في حب الدنيا وشهواتها نقول أنه سكران بحب الدنيا لقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} سورة الحجر: الآية (72). ولا علاقة للخمر في هذه الآية ولم يرد فيها ذكر للمسكرات.
وفي الآية الواردة في سورة النساء الآية (43): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى..}، فالخطاب موجّه للمؤمنين، فهل يعقل أن المؤمنين يشربون خمراً بعد الإيمان ويتعاطون المسكرات من نبيذ وبيرة وأفيون وحشيش وكونياك وفودكا؟! هذا غير معقول، ولكن هناك سكر ليس منشأه شرب الخمر، أي سكارى بحب الدنيا ومحجوبون عن الله. فالسكر هو الستر، فالدنيا أسكرتهم وغطّت على نفوسهم وحجبتهم عن النور الإلۤهي في آية: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
وهنا في آية: {..لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى..}: فإن لم تصفُ النفس عن مشاغل الدنيا، تبقَ في ستر عن الله ولا يعمل التفكير إذ المشغول لا يشغل، وبالصلاة إن لم تفكّر بالآيات فلا تُفيد من صلاتك شيئاً، وإن لم يعقل المرء بصلاته معاني الآيات فليس له من صلاته سوى الحركات، وليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها، وإنما الدين هو العقل، فعليك قبل الصلاة أن تنقطع عن مشاغل الدنيا وتصفو نفسك لتقف بين يدي خالقك، ومن هنا يأتي معنى الإقامة، ففيها سرُّ الصلاة وبها تصحو النفس، فإذا دخلت الصلاة وعت النفس كلام الله {..حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ..} لتفقهوا معاني القرآن. فإقامة الصلاة حتى تقيم الغطاء عن وجهك لتعلم ما تقول، فتطبّق وتعمل العمل الصالح الذي يؤهلك لدخول الجنة.
وحب الشيء يعمي ويصم، وكذا الذي يشرب الخمر فهو أعمى عن الواقع الذي هو فيه ولا يفهم ما يحدّثونه به، تشابهت قلوبهما؛ فهذا سكران محجوب عن الحقائق والنور الإلۤهي لأن قلبه غارق في حب الدنيا وشهواتها، وإن لم يوقن بالموت ويؤمن بالله بآياته الكونية، وترقَ نفسه عن هذه الدنيا الدنية إلى سموات الأنبياء العلية، ويستبدل حب الله بحب الدنيا، فلن يفهم ما يتلوه رسول الله عليه في الصلاة ولن يرى بنوره من أسماء الله العلية ما يرقى به لمستوى الإنسانية، فيأنس بالصلاة بالله وتزول من النفس الميول الدنية فيكسب الكمالات السامية، فهذا الذي آمن يقّن بالموت فيزول الوقر من الأذنين وينكشف الغشاء والغرور بالدنيا عن العينين، فيرى بقلبه حقائق ما يتلوه عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وينال الخيرات بالصلاة.
فالله يحثّنا أن نتحوّل عن الدنيا الفانية إلى حضرته القدسية بمعية إمامنا سيد البرية صلى الله عليه وسلم.
استمع مباشرة:










