تأويل القرآن العظيم

تأويل سورة الماعون

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

المكذّب بالدين: امرؤٌ معرض عن الخالق منبع الكمالات ومنار ينابيع الهدايات وموئل الخيرات، من أشاح عنه تعالى فقد أشاح عن الجنّات، وأضاع المكرمات وبالأمراض النفسيّة باء فتحوّل لدنياه الدنيّة إثر حرمانه لنفسه من الرحمة والإنسانيّة وبذا فقد فتح وعاء نفسه وسقاءها إلى الدناءة والانحطاط، فانصبّ فيها الجفاء والقسوة وعدم الوفاء، وكان البخل والجبن إلفه وأليفه، والكذب والخيانة حليفه وكان نبراساً للدنيء من الأخلاق.
ترى وأرى في تضاعيف هذا الكتاب القيّم الثمين أنّ صفتيه من دعِّ اليتيم وعدم الحضِّ على طعام، كاشفٌ من الكواشف التي تُظهر حقيقة هذا الإنسان المحروم من كلِّ عطفٍ وحنان، فاحذره أكثر ممّا تحذر الكاسر من الوحوش والضاري من الحيوان، فهو الوحش المعب المختبئ في جلد إنسان، بل هو أشر من كلّ مخلوق وأخطر من كلِّ حيوان، وسبب ذلك كلّه عدم سلوكه عمليّاً طريق الإيمان.
فاحذر على نفسك وأشفق من الحرمان وسوء المصير واسمُ بالإيمان الحقّ إلى المقام العالي الرفيع، مقام الأُنس بالله وبك تأنس الخلائق غبطةً أبدية بالجنان.
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت الآية (6)


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل سورة الماعون

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل سورة الماعون

  • مقدمة المحقق
  • تأويل سورة الماعون

  • عنوان الكتاب: تأويل سورة الماعون
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 2.92 MB
  2. ePUB: 0.20 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - ما معنى قوله تعالى في سورة الإنسان: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (17)}. - ومن هم الذين قدروها تقديراً؟ - لماذا تكررت كلمة قواريراً؟ - وما معنى كلمة زنجبيلاً؟ ولكم جزيل الشكر.


لو رجعت لسورة الإنسان لرأيت الذين قدَّروها تقديراً هم عباد الله الأبرار الذين برّوا بما عاهدوا الله عليه، فأطاعوا الله ورسوله واستقاموا وأحسنوا لعباد الله فكانت طاعتهم وتضحياتهم بالغالي على نفوسهم قد أورثتهم ثقة عظيمة، لقد ضحّوا بأعزّ ما يحبون لرضاء الله وقربه، (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ..}: هذا ما أنى بنفوسهم من حب الدنيا من نساء أو سلطان وجاه أو نزهات إلى غير ذلك من متاع الحياة الدنيا وشهواتها. هذه كانت آنية في نفوسهم، أي: مستقرّة وهي سبب عمى بصيرتهم وسبب حجابهم عن الله. {..كَانَتْ قَوَارِيرَا}: (من فضة): أي انفضّوا منها وضحّوا بها لمرضاة الله وللقرب منه. وبمثل هذا التعلق بالدنيا المستقرة بنفوسهم والحاجب لهم عن وجه الله؛ في الدنيا ضحّوا به فزال وحلَّ محلّه بنفس الثقل إقبال على الله وتجلي من حضرة الله فأصبحت بمثابة جنة استقرت في قلوبهم فهذه التي كانت مستقرة في نفوسهم. { قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}: من فضة، أي: انفضوا منها، كانت في نفوسهم ذات شأن عظيم فنالوا من الله بديلها عطاءً مدهشاً مذهلاً وغدوا من أهل التقوى، لذا غدت الملائكة تعرض لهم في الآخرة هذه التضحيات لينالوا عليها جنات جديدة أخرى أعلى وأسمى من سابقاتها، وأضحت نفوسهم تنكب على هذه الجنات (بأكواب): تنكب على هذه الجنات كما كانت تنكب على الشهوات التي ضحّت بها. (قوارير من فضة): استقرت في نفوسهم هذه الجنة بسبب ما انفضوا عنه من حب الدنيا الدنيئة، ولم يبغوا عن تلك الجنات حولاً، وغدوا بالسعادة الأبدية الدائمية. {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً}: الزنجبيل نبات يعطي شرابه حرارة للجسم وهنا أيضاً التجلي الإلۤهي فيه حرارة وهي حرارة الإيمان فعروج النفس وتقلبها بأسماء الله الحسنى تكسبها طاقة حرارية عالية، فبالصلاة الحقيقية يشعر الإنسان بهذه الحرارة معكوسة على جسمه، وإذا لم تحصل له هذه الحرارة فصلاته خداج أي ناقصة.

بسم الله الرحمن الرحيم
أرجو منكم تأويل الآيات من 18 حتى 30 من سورة المدثر، مع التشكرات لكم: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}.


تتحدث الآيات الكريمة من الآية (9) عن حال الكافر عند موته، وتذكير الإنسان بمعاملة رب العالمين له وإكراماته عليه، وتذكره بكافة خيراته تعالى التي يغزوه بها تعالى طيلة حياته، وعند الموت يرى هذا الكافر كل ما قدّم له ربه من فضلٍ ومنّة ويرى تفريطه في جنب ربه، فتعود عليه لحظة الموت بالشدة وتصعقه، إلا أن الملائكة تحوِّله عن حاله هذا وتعالجه: {..الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ..} سورة الأنفال: الآية (50). وهذا ما عنته الآية في قوله تعالى:
9- {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ}: على كافّة الناس عموماً ممن لم يتوصل للإيمان بربه إيماناً شهودياً.
10- {عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}: أما هذا الكافر فلحظة الموت لا توصف بالنسبة له والألم الذي يحلُّ به لا يُعبَّر عنه لشدّة هوله.
لذا يخفف الله تعالى عن رسوله الكريم ويقول له:
11- {ذَرْنِي..}: مع أن رحمتك وسعت الكائنات، لكن رحمتي أوسع وأشمل فاتركه لي، رحمتي وحناني وحبي له لم يتغيّر: أنا خلقته وأنا متكفّل الآن بعلاجه، فدعه لي، ولا تحزن عليه ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. {..وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا}: معاملاتي له طيلة حياته تشهد برحمتي وحناني، فمنذ أن كان في بطن أمه لم أتخلَّ عنه طرفة عين في غذائه الذي كان يأتيه بالسر عن طريق حبل السّرة، من كان يساعدني حين خلقت له السمع والبصر والذوق؟ بل من كان يعرف أنه ذكر أو أنثى سواي؟ لو تخلّيت عنه دقائق وعن تحريك قلبه ودقاته، لمات في بطن أمه، ولم أتخلَّ فمحبتي له أكبر وأعظم، إنه صنع يديّ فأنا لوحدي خلقته وحيداً، اعتنيت به تسعة أشهر لم يساعدني أحدٌ، تخلَّى هو عني ولم أتخلَّ عنه، عاداني وجافاني وأكرمته، وكره لقائي ولم أتخلَّ عن لقائه طرفة عين.
12- {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا}: ما تركته من التغذية من أول حياته إلى نهايتها، لا في بطن أمه وحين خرج هيَّأت له الإكرام، لم أتخلَّ عنه لا في نَفَسِهِ ولا في طعامه ولا شرابه، فخلقته على أتمّ صورةٍ كامل الأجهزة والأعضاء، وركَّبت له الأسنان وأذقته جميل بري وتنوع غذائي مدى حياته دون انقطاع.
13- {وَبَنِينَ شُهُودًا}: ألم يرَ ويشهد بأمِّ عينه كيف تمَّ خلق أولاده فلذات أكباده من نطفة؟! إذا كان لا يتذكّر خلق جسده، أفلا يرى خلق أولاده أمامه فيتذكّر بهم كيف هو خُلِقَ؟ ومن الذي صنع له فلذات أكباده سواي؟ ومن يستطيع عمل هذا؟ أما فكَّر بذلك وبهذه الهبات؟ ما هذا الكبر الأرعن؟! ألم يشاهد من أين خرج أولاده من أمكنة قذرة؟! ومنها خرج هو أيضاً.
كل هذه المذكّرات حباً به ورحمةً، كلّها ليتنازل عن طغيانه وتعاليه الأجوف، فلا يتكبر على من أحسن إليه ومن أحبه ورزقه.
14- {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا}: خلقته ووضعت له الفكر، اكتمل فكره عندما صار عمره ستة عشر وهذا كله تمهيداً لطريق رجوعه إليَّ.
ثمَّ أعطيته ما يحب وما يريد من الدنيا وشهواتها، لكي يعود بعدها للحق والرشد والهدى ولمَّا لم يعد شددت عليه، ولمَّا لم يعد تركته لما أراد.
15- {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ}: يريد أكثر، ولا يشبع من الدنيا، بل يزيد في طغيانه، وبالتالي يعود عليه عمله هذا بالخسران والنيران.
16- {كَلَّا..}: هل تركته يوماً من الأيام؟ هل تخلّيت عنه دقائق؟! لو تخلَّيت عنه لمات من فوره وهذا لم يحدث فما مات إلا بأجله. {..إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا}: رغم كل محبة ربه له، إلا أنه بقي معانداً في صدود عن ربه، ولم يلتفت لداعي الحق وكلام ربه وآياته.
17- {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا}: لذا كان الإرهاق من نصيبه، وكانت الشدائد والعلاجات المرّة والحروب والآلام لزاماً له، لأنه لم يأت بالإكرام، فالشدائد كي تشدّه إلى جادة الصواب. وكلمة: (صَعُودًا) مأخوذة من (الصد والعودة)، فلأنه صدَّ عن العودة جاءه الإرهاق.
18- {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ}: وردت الآية هنا في صيغة الاستفهام الاستنكاري، بياناً أن هذا الكافر الذي ما فكّر ولم يقدّر نعم الله وفضله، بل جحد بهذا كله. فهذه الآية تعطيك سبب كفر هذا المعرض وهو أنه لم يفكّر ولم يقدر.
19- {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}: كان الإنسان في عالم الأزل نفساً مجردة، كلها بصائر وآذان وملكات وحواس، ولكن عندما قدّر شهوته وانقطع عن ربه فقد الحياة المتواردة عليه من ربه، فقتل نفسه لأنه قدر تقديراً خاطئاً قدر الشهوة العمياء، ولم يقدر ربِّه الذي منحه كافة العطاءات، فبانقطاعه عن الله فقد كل شيء وغدا في عماء، بعد أن نفدت شهوته وكانت حجبته عن ربه و جنّته الأولى فخسر كل شيء.
20- {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}: بعثه الله لهذه الدنيا وركَّب له الجسد عوضاً عما فقد، منحه البصر والأذنان والفكر والحواس وكافة الملكات التي يستطيع بها أن يتلافى خسارته الأزلية، كما أعطاه الكون كتاباً مفتوحاً يستقرىء فيه علائم العظمة والحكمة الإلۤهية ليعود للوفاء بدل الجفاء، إلا أن هواه الذي عماه في الأزل بشهواته الدنية عماه في الدنيا أيضاً فقتل نفسه مرة أخرى وخسر الدورة الثانية وبقي في عماء {..فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} سورة الحج: الآية (46).
21- {ثُمَّ نَظَرَ}: بعث الله له الرسل منذرين ومبشرين فنظر في دلالتهم نظرة المتردد الوجل، نظرة الشكوك.
22- {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ}: (عَبَسَ): لم تعجبه، ظنَّها أنها تحرمه الملذّات والدنيا وشهواتها. (وَبَسَرَ): (بس): بمعنى قطع، (سر): من السرور، قطع عن نفسه السرور القلبي السامي  لأنه عبَّ من هذه الدنيا الدنية وشهواتها التي جعلته ينقطع عن دلالة الله ورسوله و عن سعادته الابدية .
23- {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ}: أعطى ظهره لكلام الله ولرسوله واستكبر بدنياه وما لَهُ فيها من عزٍّ وجاهٍ وشهواتٍ وظنَّها باقية.
24- {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ}: كل كلام الرسول غيبيات لا محسوس ولا ملموس، يتكلّم لنا عن الآخرة وما فيها من جنة ونار، وهذا لم نره، يتكلّم لنا عن الله والملائكة وهذا أيضاً لم نره فهو سحر، أمور خفية لا نفهمها.
(يُؤْثَرُ): كل الذين قبله قالوا مثل هذا الكلام وتناقلته الأجيال إلا أنني لا أرى شيئاً منه بل يبقى في إطار الغيبيات المخفيات.
25- {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ}: ينفي هذا المعرض أن هذا البيان وهذه الدلالة السامية هي من عند الله، وهي إنما كلام الله ونداء رب العالمين لعباده، إذ لو أنه أقرَّ بذلك يكون قد ألزم نفسه باتخاذها منهجاً وسبيلاً، لذا تراه يسعى لينفي أن هذا الكلام من عند الله فيقول ما هو إلا قول إنسان عبقري مفكر شأنه كسائر البشر مع أنه يدعو للصلاح والبشرى.
وبهذا النكران وهذا الاستكبار والبعد يقطع نفسه عن طريق العودة إلى الله، سبب ذلك حب الدنيا في قلبه، ولكن ما وراء هذه الأهواء التي ترك الله ورسوله من أجلها إلا الشقاء والتعاسة وسوء المقر (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار)، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً..} سورة طه: الآية (124).
26- {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}: هذا عند موته سيعود عليه نكرانه وتكذيبه بشديد الحسرة والندامة على ما فرّط في جنب الله، وعلى خسرانه من جنات أعدَّها له، وما آل إليه من منزلة وضيعة وسوء المقر، فالعار الذي يلازمه ونيران الحسرة والندامة تشتعل فيه، أفظع وأشد من كل ألم.
27- {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}: ما أعظمها على النفس وما أشد لذعها وما أكبرها إنها نار الحسرة والندامة أشد وأفظع من النار المادية المحرقة، فأنت لا تدريها لأنك لم تجاهد هواك الذي منذ الأزل أعماك فلم تؤمن (الكلام للمعرض).
28- {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ}: هذه النار نار الخسران و الفضائح و العار، تمر على كل عمل عمله في الدنيا لا تغادر مثقال ذرة إلا وتأتي عليه، ويعود لذعها على النفس بعد الموت شديد.
29- {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ}: إلا أن: (قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون)، فهذه النار تلوح لهم في دنياهم ويشعرون بنار البعد عن الله والشهوات المحرقة والأهواء المهلكة، فتراهم يرون الخير خيراً والشر شراً، وتلوح النار لهم فيستجيرون بالله منها ليقيهم حرها وشوبها. ولكن هؤلاء المعرضين لا يرون إلا شهواتهم وهم في عماء عن النتائج، مخدّرين بالأهواء والرغائب وعند الموت تستيقظ نفوسهم ويالهول ما تستيقظ عليه! وعندها الويلات والحسرات على كل لحظة أضاعوها في غير ما خُلقت نفسه النفيسة الخاسرة لأجله (الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا).

بسم الله الرحمن الرحيم
ما هو شرح الآيات من سورة النجم من /4 إلى 9/: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}.


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
6- {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى}: يقول تعالى: {..وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ..} سورة الحشر: الآية (6). ويقول أيضاً: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة المجادلة: الآية (21). قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: (والله لأنسينّ الروم وساوس الشيطان بخالد)، فسيدنا خالد رضي الله عنه وهو القائد الذي لم يُقهر جعلهم في حالة من القلق والخشية والخوف يترقبونه في كل لحظة ممّا جعل المرارة تغزو قلوبهم، وإذا كان سيدنا خالد وهو من طلاب رسول الله ﷺ فكيف بالرسول ﷺ ذاته، فبه انطفأت نيران فارس، وبه كانت هزائم المشركين عبّاد الصنم، وبه كان النصر في كلّ المواقع والغزوات، فجعل بذلك حياتهم مرّةً وذلك مراراً وتكراراً، وما ذاك إلا ليعودوا لما خُلقوا من أجله ويتركوا ما خُلق من أجلهم، ليرجعوا إلى الحق، ليلتفتوا إلى مصيرهم الأبدي وليتخلوا عن كبرهم إلى الله ورسوله، ويفوزوا بالجنان وبهذه الأعمال الكبرى استوى ﷺ أي استوفى كماله وبلغ ما بلغ من القرب والرقي.
7- {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى}: الأفق: هو أبعد مدىً، والأعلى: هناك عالٍ والعالي والأعلى: هي أرفع درجةً، فصلى الله عليه وسلم  في حاله النفسي بلغ الدرجة الأرفع بين المخلوقات في عالم الأزل وأيضاً حينما أصبحت النفس مع الجسد أيضاً أضحت في الأعلى والأعلى وهكذا.
8- {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى}: دنا: من الدنو أي القرب وهذا القرب كان له ﷺ عندما نزل عليه القرآن الكريم، وتدلى: أي أنه بقي يزداد قرباً حتى استسلم بكليته لربه على الدوام فأصبح والذي نفس محمدٍ بيده عند ذلك تدلى على الخلائق بما كسبه ﷺ من خيرات وجنات وأنوار كلٌّ بحسبه، فالله المعطي وهو القاسم.
9- {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}: القوسين: القوس يرمز إلى النصر، والقوسين أي: أن النصر له أولاً وآخراً، في عهده بأول زمانه وأيضاً سيعود النصر بآخر الزمان وإلى يوم القيامة.
لأن القوس رمز النصر، أي: أنّه إكليل الغار، وبما أن الحب الإلۤهي هو سر الحياة وقوتها، كذا يرمز القوسان إلى حاجبي العين رمزا الحب الصافي، فهو بمثابة العينين لكل تقي ونبي يشهدون به جلال ربهم وجماله وحبه وعطفه، فهو يجمع العظماء الصادقين على مشاهدة خالق الجمال ومبدع كلّ الفتن السامية والكمال، وقد خاطبه تعالى بسورة مريم: {كهيعص} بمدحه والثناء عليه بأسمى آيات الكمال لقوله: {كهيعص}: يا كامل، بكمالك صرت هادياً للخلق، وأنت العين التي تُرى بها أسمائي وجناتي، فهو عين العيون من المرسلين والنبيين والنصر حليفه لقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة المجادلة: الآية (21)، وقوله تعالى: {..وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ..} سورة الحشر: الآية (6).
وهو سيد الرسل النبي الأمّي الذي يؤمّون إليه، كما جاء بميثاق النبيين قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} سورة آل عمران: الآية (81).
فمن لا يرى برسول الله فهو في ظلام لا يدري حقيقته "وهو في الدنيا"، لأن الأنوار الدنيوية الآفلة أعمت قلوب المعرضين عن نور رسوله الحبيب الموصل لنوره تعالى والذي به يغدو المؤمن بصيراً فيميّز الخير من الشر والحق من الباطل، فيفعل الخير ويجتنب الشر مهما كان إغراؤه لأنه يعلم أن فيه السم، وبأعماله الطيبة يعود لربه بوجه أبيض، فينال الجنات والسعادة وديمومة المسرّات، للسعادة خلقنا.

سيدي الفاضل أريد تأويل الآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} سورة يونس الآية (88) أليس الله هو العليم.


أجل يا أخي إن الله هو العليم الحكيم، ولكن ينبغي ربط الآية بما بعدها ليتبين المعنى بوضوح، لذا سنورد لكم تأويل الآية المطلوبة والآية التي بعدها.
بلى إن الله عليم وهو الذي أعلمه وأنطقه والأنبياء لا يسبقونه تعالى بالقول وهم بأمره يعملون كما بالآية فلذلك وبما أنه نطق بمراد الله فقد أجابه تعالى أن استجيبت دعوتكما وهذا ما جرى إذ أرسل عليهم تعالى الدم والقمل والضفادع والقحط والشدائد علهم يرجعون.

قال الله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}. ما معنى كلمة (أمثالكم)، وهل هناك ارتباط بين هذه الكلمة ومعنى المثالية؟


أمثالنا: أي أنهم يأكلون ويشربون ويتزوجون ولهم مجتمعات منظمة على غاية في الروعة، كما نحن نأكل ونشرب ونتزوج ولنا مجتمعات منظمة أيضاً.
ولكنا نحن البشر حملنا التكليف وهم لم يحملوا التكليف، بل سُخِّروا لنا مع أنهم مثلنا من حيث تنظيم الحياة الدنيا.
أما عن السؤال الثاني المتعلق بالمثالية. كلا ليس بمعنى المثالية ولكن بمعنى التشبيه في الحياة الدنيا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى