تأويل القرآن العظيم-المجلد الخامس
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الخامس
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
قال تعالى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ (94) قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. السؤال: ما معنى كلمة: (ريح يوسف) وهل لكل إنسان ريح خاصة به يعرف من خلالها؟ كيف شعر يعقوب عليه السلام بريح ابنه (يوسف عليه السلام) في المرة الثانية ولم يشعر بها في المرة الأولى عندما رجع أبناؤه لأخذ أخيهم الصغير (بنيامين) بناءً على طلب عزيز مصر (يوسف عليه السلام)؟ ما هو السر في قميص يوسف عليه السلام حتى عاد بصر يعقوب عليه السلام عندما ألقى القميص على وجهه؟ وهل صحيح ما يقال بأن هنالك مواداً معينة عالقة في قميص يوسف عليه السلام نتيجة تعرقه فيه كان لها الأثر في إعادة البصر؟
أولاً: ريح سيدنا يوسف عليه السلام أي روحانيته النورانية العظيمة التي تعصف بشياطين الإنس والجن وتفتح المجال للإنسان المصاحب لسيدنا يوسف إلى الصلاة، فالأحوال والأذواق والبوارق، فيسعى بسلوك سبل الإيمان فيتقي ويستنير ويغدو من أهل الجنة والسعادة بدنياه وآخرته. فمعنى ريح يوسف، أي: إشارة لسيدنا يعقوب بتحقّق رؤياه أن غدا يوسف عليه السلام رسول الزمان، رسول الله للبشر يُخرجهم من الظلمات إلى النور.
ثانياً: نعم لكلٍّ ريح، للعاصي المرتكب الكافر ريح جهنمية، وللمتّقي ريح نورانية تنقل من يتعرَّض لها للنعيم والصلاة.
ثالثاً: شعر سدينا يعقوب بريح ابنه حين بلغ سيدنا يوسف السعي وغدا إمام العالمين في زمانه واتّجه نحو أبيه بإذن الله وأرسل له قميصه فانعقدت بينهما الرابطة وازدادت وتمَّت بإلقاء القميص.
رابعاً: شدَّة الحزن أثَّرت عليه من فراق ابنه، ففقد بصره والآن حلَّ محلها فرح عاصف بيقينه بوجود ابنه وقد حاز مرتبتي الفوز بالدنيا والآخرة، هذا يدل إذا فُقِد البصر بالحزن فإنه يعود إذا حلَّ محله الفرح.
خامساً: تلك فرضيات الذين لا يعلمون، من عمى قلوبهم لم يعرفوا شيئاً عن سمو قدر سيدنا يوسف وعلو شأنه، بل ظنّوه أنه له رائحة تعرّق مثلهم وهو ليس شكلهم، فإذا كان المؤمن كالأترجة ريحه طيب، فكيف برسول الله يوسف عليه السلام فإن رائحة عرقه مسوك، والفرضيات المادية ليس لها أيّ علاقة بالروحانيات السماوية، فأنى لهم أن يفهموها!
ظنوا ظنوناً وإن الظن لا يغني عن الحق شيئاً. فاربأ بنفسك أن تعرى مع الهمل.
حضرة الأستاذ الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله ورعاكم.... آمين
ما المقصود في هذه الآيات الكريمة من ذكر الشياطين (التي يتبعها شهاب) و (وحفظ السموات من الشياطين) و (كيف تسترق السمع وعلى من؟؟) وما المقصود قوله تعالى (وجعلناها رجوماً للشياطين).
ولكم جزيل الشكر
تسأل ما المقصود من ذكر الشياطين في الآيات:
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} سورة الحجر: الآية (16-18).
نقول: إن ترابط الآيات وأحكامها يبين لك المعنى والمراد بشكل واضح جلي: فالآيات السابقة من سورة الحجر تقول:
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ..} الآية (14): لو فتح الله على قلوبهم وأراهم الحقائق شهوداً عياناً وذلك دون سعي منهم ولا جدّ واجتهاد لما ثبت عليها بل لنكثوا وعادوا للمعارضة وذلك لأنه:
من أخذ البلاد بغير حربٍ هان عليه تسليم البلاد
فمهما رأى الإنسان ومهما ذاق من أحوال علوية، إن لم يكن قد دفع ثمنها هذه لا يثبت عليها بل يتراجع ويعود لكفره.
{..بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} الآية (15): ظنوا ذلك سحراً.
إذن: الإيمان والسعي الذاتي والصدق بالطلب هو الأساس والأصل ومن دون الإيمان لا يصدق المرء بطريق الكمال، بل يتراجع وينكث يمشي خطوة إلى الأمام ويتراجع أخرى.
ما هو طريق الإيمان:
الذي لا تراجع بعده أبداً؟!. انظر في السماء، لذلك أورد تعالى هذه الآية لتسلك ما سلك أبوك إبراهيم إلى الإلۤه ولمشاهدة حضرة الله، بعدها ليس للشيطان عليك سبيل أبداً، يستطيع الشيطان أن يسلب من الإنسان كل شيء إلا الإيمان، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا..}: هذه فكر بها كي تصل للحق، هذا طريق الإيمان الحق، لا تتطلب المعجزات ورؤية الملائكة.
{..وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}: الزينة لكي تراها وتستدل بها، فإن لم تفكر وتسير بهذا الطريق فلن تؤمن بلا إلۤه إلى الله ولن تحفظ من إغراءات شياطين الإنس والجن، هذا هو الطريق الإيماني الذي سلكه سيدنا إبراهيم عليه السلام وأهل الكهف وجميع المؤمنين فكروا بالسماء بالشمس بالقمر بالنجم حتى توصلوا للإلۤه.
{وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}: فهم حفظوا بالإيمان عن طريق السماء من الشيطان فهذا الإيمان الراسخ الثابت الذي لا يخلّصُك أحدٌ إياه ولو اجتمعت جميع الشياطين، الذي آمن وسلك الطريق الذي سلكه سيدنا إبراهيم عليه السلام لا سلطان لهم عليه أبداً. قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل: الآية (99).
إذن: النظر في السماء سرعان ما يصل بك إلى الإيمان حيث لا مطمح للنفس بالشهوات فيها، فالشهوات المنحطة أرضية، فإن خاف المرء من معقبات الموت، ونظر في السماء مفكراً، لأوصلته للإيمان بالله تعالى الحق الذي لا رجوع بعده، أبداً لأن الإنسان هو الذي حصل عليه بذاته لذاته بسعيه، فهو الذي رأى الحق وعرف الحق وشاهد من الحق آيات، فلا سلطان للشيطان عليه أبداً، وقد عقّب تعالى عن الشيطان في محاولة ثانية يقوم فيها لاستراق السمع ليتكلم عن المغيبات وتقع فيتبعوه. ولكن هذه الخطوة الجريئة إنتحارية إن سلكوها حقاً واسترقوا الأوامر الإلۤهية اليومية التي يأمر الله بها الملائكة عندها يكون قد قضى على نفسه إذ يتبعه شهاب ثاقب ويحرقه.
السؤال الثاني: كيف يسترقون السمع وعلى من، بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} سورة الحجر: الآية (18)؟
إذا صدق المرء في أي أمر وأصرّ عليه فإن الله يطلقه لما يريد ويمكنه من بلوغ ما أصرّ على طلبه.
وهؤلاء الشياطين أعوان السحرة والعرافين أرادوا أن يسترقوا السمع من الملأ الأعلى، حيث الملائكة هناك تأخذ الأوامر، وكيفية العمل مع العباد من عطاء أو حرمان وتقسيم الأرزاق أو حلول المصائب والبلاءات على قوم ما، فهؤلاء الشياطين يصعدون لهناك لكي يسترقوا السمع خلسة ومن ثم يفشوا الأسرار للكهنة الإنسيين والسحرة أعوانهم فيقوم هذا الساحر بإعلام الناس بأمور غيبية لا يعرفها أحد فيظن الناس به خيراً وهو عكس ذلك ويتبعوه فيوردهم موارد التهلكة وهذا ما لا يرضى به الله ولا يمكّن الشياطين منه لأن الله تعالى يقول: {..وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} سورة الكهف: الآية (51). فهؤلاء الشياطين الذين يصعدون للملأ الأعلى لاستراق السمع من يسترق منهم يكون مصيره الموت المحتم، فيرسل الله له شهاب ويحرقه به وهذه الشهب كثيراً ما ترى لاسيما في القرى.
وتسأل: ما المقصود من قوله تعالى: {..وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ..} سورة الملك: الآية (5)؟
أي: إن آمنت عن طريق السماء كما آمن سيدنا إبراهيم حفظت بالنور الإلۤهي من كل شيطان أن يدخل عليك وأن يكون له سلطان عليك، فبالإيمان عن طريق المصابيح التي في السماء حفظ من شر الشيطان، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إن صعد هذا الشيطان الانتحاري واسترق السمع في الملأ الأعلى وأخذ أمراً من الأوامر التي تتلقاها الملائكة فإن الشهاب يلحق به ويتبعه حتى يدركه ليحرقه ويكون مصيره الموت الزؤام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لماذا سورة الشعراء بدأت بقوله تعالى: طسٓمٓ تلك آيات الكتاب المبين _ وسورة النمل بدأت بقوله تعالى: طسٓ تلك آيات القرآن وكتاب مبين.
وجزاكم الله عنا كل خير.
يقول سبحانه وتعالى: {طسٓمٓ، تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}
{طسٓمٓ}: (ط): يا طاهر لم تدنس نفسه بالدنيا ولم تتلوث من أدرانها أبداً، وهو ﷺ في معارج الطهر يسمو محققاً ما خلق لأجله من معرفة بالله وعدم الانقطاع عنه في رقيٍّ متزايد وعروج في حضرة قدس الله متشاهق متتالٍ وعلم بأسمائه الحسنى متعاظم ومتواصل لا يدانيه به أحد، وهو في مدرسة الطهارة سالك وبإقباله على ربه سادر، وهذه مدرسة النبيين والمرسلين، فكان ﷺ فيها المعلم والنبراسَ، وحقق بذلك الطلب الإلۤهي ومراد الحق من إيجاد الخلق بكلمة (أحببت أن أعرف).
فهو ﷺ النموذج الإنساني الأرقى لطالبي وجه الحق والحقيقة والمثل الأعلى والقدوة والنبراس لحاملي الأمانة، فالله يذكرنا دائماً بصفاته العليَّة الربانية. والرسول ﷺ نال منها مبتغاها وبلغ الحد الأقصى الذي يمكن أن يبلغه إنسان، فكل من ارتبطت نفسه بنفسه الشريفة الطاهرة نقله في معرفة الله من حال إلى حال أعلى ومن رتبة إلى رتبة أرقى.
(س): أي يا سليم، ليس عليك شائبة ولم تتسم بميسم الخطيئة ولا العيب، لأنه ﷺ لم يتزحزح عن الله أبداً، وهذه شهادة الله فيه، لأنه جاء إلى الدنيا ولم يتلوَّث بأوضارها أبداً، فهو بذلك سالم، وطالما أنه لم ينقطع عن الله أبداً ولم يزغ البصر إلى الدنيا طرفة عين بل ظل شاخصاً ببصيرته إلى الحضرة الإلۤهية يستقي من الأسماء الحسنى رياً متواصلاً، فكان بذلك خلقه القرآن ولازمته هذه الصفات العالية ولم تنفك عنه أبداً، فكان سالماً من الدنيا لأنه بالأصل سليمٌ؛ فكل من اتهم الرسول ﷺ بنقيصة أو نسب إليه الخطيئة فهذا الاتهام مردود على صاحبه لأن الله العظيم برَّأه بوصفه أنه (سليم) وعندما تعقل هذه الصفات الكاملة عنه عندها تحمده فترى أنه محمودٌ عند الخلق.
(م): أي يا محموداً.
{ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ..}: هذه الآيات المطبوعة فيه، وتلك الآيات التي تحلَّت نفسك بها، أي: هذه الصفات من طاهر وسليم ومحمود، هذه الصفات التي اتصف بها ﷺ بإقباله على الله يبيِّنها لك، فإن عقلتها وقدرته عليه السلام وعظمته نقلك إلى حضرة الله، فهو ﷺ الذي يريك كمالات الله وأسمائه الحسنى وهو كتاب الغيوب وهو الكتاب المبين الذي يبين لك كل ما كان مستغلقاً عليك فبه ﷺ أضحى بيِّناً واضحاً جلياً.
هنا في سورة الشعراء أيها المؤمن رأيته ﷺ محموداً عند جميع الخلائق لاسيما المؤمنين منهم، لذا غدا ﷺ لك بما كتب بنفسه وبما صبغت نفسه وانطبع بها من صفات الكمال يبين لك ما كان غائباً عنك من معرفةٍ بأسماء الله الحسنى وعلوم كنت جاهلها.
وبذلك وبما يبيِّنه ﷺ لك من صفاته المطبوعة في صفحات نفسه الشريفة ينقلك منها إلى أسماء الله الحسنى.
{طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ}
(طسٓ): أيضاً يخاطب الله رسوله بالمدح والثناء عليه لكي ترتبط نفوسنا بنفس المصطفى بروابط التعظيم والمحبة، فيقول له: يا طاهراً يا سليماً، فقد بقي ﷺ إنسان الأزل في نشر من لم يزل، أي: بقي على حاله الأول مغموراً بالتجلي الأعظم وهو لا يزال على هذا الحال، فإذا اتجه إليه الناس واتجه إليهم ليستغفر لهم فبلمح البصر يمحي عنهم الصفات الدنيئة ويبدلها بصفات كاملة عالية كما بدَّل سيدنا موسى السحرة عندما عظَّموه وقدَّروه بدَّل صفاتهم إلى صفات إنسانية كاملة.
{..تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ..}: فهذه الآيات المعجزة وهي صفتا الرسول ﷺ موجودة في القرآن، والله عزَّ وجلَّ يحدِّثنا عنهما وهي بحق آيات كبرى وهذه التي فاض بها على البشرية لذلك كان فضل رسول الله ليس له حدٌّ فيعرب عنه ناطق بفم، فعندما تعقلها بما يبيِّنه الله لك بالقرآن تقدِّره ﷺ فترتبط به، أي: يتعلَّق قلبك بنفسه الشريفة وهو الكتاب المبين فهو الذي يبيِّنها لك ويكشف لك عنها لتنتقل منه إلى تعظيم صاحب الأسماء الحسنى الله جلَّ وعلا.
هو ﷺ الكتاب المبين: يبين لك عنها أي عن صفاته أي عن (طسٓ) وعن أسماء الله الحسنى وهو يريك كمالات الله، ويدخلك في مداخل ما كنت تدخلها لأنك تأخذ من إنائه وتشرب من مشاربه ماءً طاهراً نقياً ذراته، وترى من سراجه وينصبُّ في نفسك ما صبَّ في نفسه على قدر صدقك وإيمانك واجتهادك.
أما هنا في سورة النمل {طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ}: الله يحدثنا بالقرآن عن صفات المصطفى ﷺ لنعظِّمه ونقدِّره عندها نرى ذلك شهوداً في صفحات نفسه ﷺ الكتاب المبين.
الآن تبيَّن لك الفرق بين الآيتين الأوليتين عن الآية الثانية مع أن الأمر واضح وبيِّن.
(طسٓمٓ): ذكر بعدها أنها (تلك آيات الكتاب المبين).
والثانية (طسٓ) ذكر بعدها أنها (تلك آيات القرآن).
هذا هو الفرق بينهما فالكتاب مطبوع في نفسه الشريفة، والقرآن نطق به ﷺ وأظهره للناس والحقيقة أنه كله كلام الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يبين كمالات رسوله وهو خليفته، فإن اتجهنا إلى رسوله نقلنا ﷺ إليه تعالى، فوفّينا بذلك بالأمانة التي حملناها والتي عجزت السموات والأرض أن يحملنها.
تأويل الآية رقم (44) من سورة الأنبياء:
الآية:
قال الله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ}. كيف يكون هذا النقص؟
التأويل:
هذا دوماً يحدث بالموت الإفرادي العادي وبالثمرات وغيرها.
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا..}: في كل وقت تأتينا الخيرات والثمرات وكافة المخلوقات والأولاد والبنات، كل ذلك من نتاج الأرض ومن التراب، ويحوِّلها ربها إلى مخلوقات وذوات عاقلة، وكل ذلك إلى فناء وزوال تدريجي ومآله إلى الموت، ولكن لكل جسم ولكل مخلوق ذرات من التراب الخاصة به، ودوماً يتم النقص بالموت لهذه المخلوقات واستهلاك الثمرات لا مرة واحدة ولكن شيئاً فشيئاً، كالفواكه إذ يكونون موزعين على أطراف الأرض وفي كل أرجاء المعمورة وفي كل لحظة الانتهاء يأخذهم شيئاً فشيئاً من على أطراف الأرض حتى تنتهي المواسم بانقضاء العام، وتموت البشر أفراداً حتى انقضاء الجيل ويتم الانتهاء العام للبشر ولثمراتهم وخضرواتهم جميعاً يوم القيامة، عندها تنتهي تدريجياً الأمور الأرضية المادية كلها، ومن زحزح عن النار عندها وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
إن الله وضع التراب بقدر المخلوقات التي سيخلق على الأرض ليوم القيامة، وقبل مجيء الإنسان إلى الدنيا كانت الناس نفوساً مجردة لا مادية لها، كما كانت كافة المخلوقات نفوساً مجردة لا مادية لها، فقدر لكل مخلوق ترابه المادي وألبسه إياه، وكلما جاء مخلوق أخذ ترابه وهكذا.. إلى أن تنتهي تلك الأنفس جميعها ويوم القيامة تقوم الأجساد مرة ثانية فلا يبقى على وجه الأرض تراب.
هذا ولا يلبسهم تعالى ثيابهم التي هي مناسبة لهم مرة واحدة، بل على مرِّ الأجيال والأعمار حتى تنتهي، لأن لكل بداية نهاية والله وحده لا بداية له، بل هو قبل كل بدء، فمهما قلت بداية فتنظر قبلها فترى حضرة الله تعالى هو بداية لهذه البداية ثم تنظر ثانية إلى ما قبل ذلك فتجد أيضاً الله وهكذا...
وليس لله بداية، ومهما نظرت إلى الأول فإنك تتوسع في حضرة الله.
كذلك إذا نظرت إلى الآخر وإلى النهاية فإنك تجد الله وليس له سبحانه آخر ولا نهاية.
ولكن كلما نظرت ترى ذلك بمنظار أوسع وأوسع، أي إنك تتوسع بحضرة الله وبالتالي تتوسع بهذا الكنز الذي هو النعيم كله والسرور والحبور والسعادة المتزايدة بلا توقف وما هذه الأكوان إلا ذرة من فضله وعطفه وإحسانه وتسييره الخيِّر لكل المخلوقات، بل هو تعالى قائم على كل نفس بما طلبت وبما كسبت لا يهضمها ولا يظلمها، بل يزيدها ويكرمها فللإكرام والسعادة نحن جميعاً خلقنا.
ما المراد بملك اليمين في قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6].
يا أخي أنت تسأل عن موضوع ملك اليمين وهذا الموضوع لا يمكن أن يكون إلا في عصر قوة الإسلام ونهوضه، ولا يمكن أبداً في ضعف الإسلام. حتى بعهد الصحب الكرام لم يحصل أخذ ملك اليمين والأسرى إلا بعد أن قوي الإسلام لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67].
إذن: في هذا العصر لا يحصل هذا الموضوع لأن المسلمين ضعفاء وغير ظاهرين بقوتهم في الأرض.
كما أن ملك اليمين لا يستطيع أن يصلحها ويقودها إلى الإيمان إلا أن يكون تقياً مستنيراً بنور الله، ولكن أين التقوى اليوم؟!
أما في عهد الصحابة الكرام وعندما أثخنوا في الأرض وصار الإسلام قوة ضاربة ولها كيانها، وهي مهابة الجانب وقتئذٍ، أخذ الأسرى وملك اليمين وهذا له أسبابه ومسبباته.
فهذه ملك اليمين حينما تُؤخذ أسيرة ويُطلق عليها لفظ عبدة وهي دون الزوجة تشعر بقلة قيمتها وتفقد مكانتها الشيطانية الإغوائية والإغرائية، كما أن العسكري الجندي لا يستطيع أن يظهر ملكاته أمام الضابط لأنَّه يعلم أن الضابط لا يعبأ به فلا يستطيع أن يتمادى، بل هو شبه مكبوت، فلِضَعْفِ نفسها يمنع عنها أذى نفسها الذي تشرَّبته بالكفر وبكلمة: (يا عبدة) تشعر أنها ليست بالقيمة كالمؤمنة، فيكون هذا حافزاً لها ودافعاً يدفعها لكي تفكِّر: من الذي خفضني ورفع تلك الزوجة؟!
فتجد أن الإيمان هو الذي يُعزُّ الإنسان، فتبدأ بسلوك طريق الإيمان بالتفكير ولا يستطيع أن يقودها إلى الإيمان إلا تقي بصير ينظر بنور الله ورسوله فلا يستطيع أيُّ إنسانٍ غير التقي أن يقودها إلى طلب الإيمان فإن آمنت وتغيَّرت نفسها من الشر إلى الخير وسلكت مسالك المؤمنات عندها بإيمانها يرتفع شأنها إذ أن الإيمان يرفع شأن الإنسان فإن كانت للمؤمن رابطة قلبية برسول الله فهي سابقة للرابطة الزوجية، وهذا الرجل المؤمن التقي يُعْطَى هذه الأَمَة ليخرجها من الظلمات إلى النور.
وبالأصل فإن ملك اليمين توضع بين النساء المؤمنات اللواتي هنَّ أعلى شأناً منها بإيمانهن وإذا لم يتقدم لها أحد للزواج بها ولم تعد تصبر، بل يُخشى عليها من أن تتعقَّد وتصيبها أمراض نفسية إن بقيت دون زواج فبهذه الحالة يحق للمؤمن التقي التسرِّي بها "دون دفع مهر" خدمة لها لإنقاذها وهو ليس بطالب شهوة وحاشاه، بل هي التي تتطلَّب، فلماذا تكلِّفه فوق عمله الإنساني قيماً مادية؟! وهي ليست بعدُ أهلاً لذلك المهر.
إذن: ملك اليمين سُمِّيت بهذا الاسم من اليمن وهو الخير الكثير لما فيهم من خير عظيم، فهداية نفس إنسانية خير مما طلعت عليه الشمس، إن كان يستطيع هدايتها، وشرطها أن يكون تقياً يستطيع القيام بإصلاحها وإصلاح أُمّة كاملة. فهل هذا موجود في زماننا الذي يفتقر لمؤمن حقيقي، فكيف بتقي؟!
إذن: في زماننا هذا لا مجال للبحث في هذا الموضوع أبداً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا كان الإسلام ضعيفاً ودولة الكفر قوية فإن الأسرى من عبيد وملك اليمين سوف ينظرون نظر التقدير لدولتهم ذات القوة والصولجان، ونظر الاحتقار والاستخفاف لدولة الإسلام لأنها ما زالت ضعيفة الجانب، لذلك لا سبيل للهداية والانقاذ من براثن الكفر. لذا منع الله تعالى المؤمنين أخذ الأسرى والإسلام في بدايته لضعفه كما في الآية: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67].
استمع مباشرة:












