حقائق علم النفس والاجتماع
سلسلة المناهج التعليمية
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين. أما بعد:
لكل شيء في هذا الكون حقيقة، وهذه الحقيقة لا تصل إليها إلا من خلال التفكير الجدي والمتواصل، وأهم شيء لك كمخلوق هو أن تصل للخالق سبحانه وتعالى، وأيسر طريق لك هو رسوله الكريم وكلامه المنزل عليه (القرآن الكريم) ففي القرآن الكريم الحقيقة كلها.
وسنتناول معكم طلابنا الأعزاء في هذا الكتاب حقائق علم النفس والقوانين الخاضعة لها، إذ يتضح أن الشيء البارز في القرآن الكريم الحديث عن النفس، أو بالأصح الحديث معها ذاتها، عن سبب وجودها وعن سر كنهها، وسبل هدايتها وسعادتها، وإقالة العثار من طريقها وتسليكها وتطهيرها لتتحلى بالفضائل والمكرمات الإنسانية والصفات النبيلة، وكذلك تحذيرها من طرق شقائها وتعاستها، وبالتالي النهاية المؤلمة التي يمكن أن تصل إليها إن هي ظلت متعنتة ورافضة للنصح وغير عابئة بسوء المصير.
والقرآن خطاب مستمر من الله إليها عن كل ما يحيط بها ويهمها ويشغل ساحتها، إذاً القرآن بمضمونه العظيم قانون الله ونظامه الموجه للنفس الإنسانية من أجل سمّوها ورفعتها.
لقد أنشغل كثير من الباحثين والفلاسفة على مر العصور وكرها من مختلف الطوائف والديانات بالحديث عن النفس، ومحاولة إيجاد تعريف ومصطلح لتوصيفها، وتحديد وظائفها وسبب خلقها، وانعكاس أعمالها عليها وعلى الكون المحيط بها.
ولسنا هنا لتصحيح تلك الأقوال والدراسات وتصويبها، فذاك بحث يطول، ومردود فوائد مثل هذه الحوارات والنقاشات بالنسبة للطلاب ليس بذي أهمية، بل يمكن أن تكون أضرار مثل تلك البحوث أكثر بكثير من المنافع المرجوة، فهذه الجدال عن شيء لا يعلمه الطالب يشتت ذهنه، ويقلل من تركيزه ويوقعه بالضياع.
إنما الأهمية تكمن في وضع القواعد الأساسية لعلم النفس وتوضيح حقائقها وتعريفها وسبب خلقها من خلال أدلة القرآن الكريم وبعض الأمثلة العملية وبذلك تبنى قاعدة صحيحة وراسخة لدى الطالب، يستطيع من خلالها وبكل بساطة أن يناقش ويحاور هو بذاته كل بحث يأتيه، فيرد ما كان خطأً ويقبل ما هو صحيح .
لذلك سنبدأ دروسنا بالحديث عن النفس، عن أصلها ... منشأها ... سبب خلقها ووجودها، إلى كل ما يتعلق بها ... وما يتعلق بالمجتمع الإنساني الكبير الذي تحيا به النفس، وأيضاً إلى ذكر بعض القوانين والأنظمة التي سنها الله تعالى لهذه النفس حتى تعيش في حياة رغيدة وسعيدة.
نأمل منكم الجد والاجتهاد ونتمنى لكم التوفيق والنجاح...
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

استفسارات عن مواضيع في كتب العلامة الإنساني محمد أمين شيخو
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخوتي الكرام أود أن أسأل الأستاذ عبد القادر الديراني ما هو تعليقه على الأحداث التي جرت في تونس ومصر وما يجري حاليا في ليبيا واليمن من وجهة نظر الترتيبات الإلۤهية وهل لها مدلولات سلبية أم إيجابية وكيف يمكن ربطها مع ظهور السيد المسيح؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين ذكرها وفصَّلها ﷺ في أحاديثه الشريفة. أنظر إن أحببت بكتاب السيد المسيح يلوح بالأفق للعلّامة الكبير محمد أمين شيخو. وبعدها مباشرة قيام الحرب العالمية الكبرى وقيام الساعة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت في موقعكم المبارك أحد الأجوبة عن القمر وهو كالتالي:
{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}: القمر يولد في بداية الشهر هلالاً ويزداد حجمه يوماً بعد يوم حتى إذا ما انتصف الشهر أصبح بدراً كاملاً بأشد سطوع وإشراقٍ بنوره ثم يبدأ بالتناقص تدريجياً، فيعود كما كان في ابتداء إشراقه نحيلاً بنوره الخافت، هذا حاله بالدنيا وهذا نظام قائم منذ بداية الخليقة ينزل في منازله وهذا النظام مطابق لحاله النفسي ولما كان عليه في الأزل فهو ينتقل في منازل القرب من الله منزلة إثر منزلة وشيئاً فشيئاً فما يلبث حتى يتراجع عنها ثم بعدها يرجع إلى منزلة القرب مرة ثانية وهكذا إلى نهاية الدوران.
والسؤال: لماذا عندما يصل القمر بحاله النفسي بأشد السطوع يتراجع عن هذه الحالة ثم بعدها يرجع إلى منزلة القرب مرة ثانية وهكذا؟
طالما القمر في عروج فلماذا التراجع ومن أين تسلل له الضغف وهو غير مكلف وغير خجل من ربه؟ وهل هذا التراجع من ضعف إقباله على الله أم ماذا يطرأ عليه؟
ولكم جزيل الشكر سيدي الكريم.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
لكل نفس في الوجود صفات وخصائص وطباع، فلا يوجد نفس تشبه أخرى وهكذا طبيعة نفس القمر لا تبقى في عروج مستمر إنما عروج وقرب يعقبه تراجع ثم يعود لمنازل القرب شيئاَ فشيئاَ، فهو غير مكلف حتى يكون في عروج مستمر من حال إلى حال أعلى، إذن يطرأ عليه التراجع، كما كان يحدث مع الصحابة الكرام بادئ ذي بدء حين قالوا لرسول الله ﷺ: «نكون معك فننسى أهلنا وأولادنا وننعم بحال عالِ ثم نذهب لأهلنا فنتحوَّل فقال ﷺ لو بقيتم على هذا الحال لصافحتكم الملائكة الكرام».
يا أخي العرجون القديم هذا العرجون الأزلي القديم: الأزلي. هذه كانت وجهته الأزلية لربه ولم يحمل الأمانة فهو غير مكلف للرقي بل حاله الآني كحاله الأزلي، وكلمة عرجون: تتضمن العرج، أي التغيير والضعف بعد قوة ثم القوة بعد الضعف.
وعرجون: فالحرفين الأولين يتضمنان التعرية وذلك عند المحاق بآخر الشهر، ثم يعود هذا حاله وهذه طبيعته التي تطبَّع بها ورتبه المولى الرحيم أكمل ترتيب لخدمتنا، فسبحان من نظَّم الخلائق بالكمال ولا خطأ أو تفاوت بل كمال بكمال، فله الحمد والحب والثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم
لدي إشكال حول موضوع جرت أحداثه في الأزل، وهو تماثل وتساوي النفوس عند خلقها ثم اختلافها وافتراقها بعد منح الحرية والإرادة في عالم الأزل، فإذا كان الله العادل جل شأنه قد خلقها متماثلة، فعلى أي أساس اختلفت بعد ذلك؟ مثال: لو جئنا بعشرة أشخاص متماثلين تماما في كل شيء من الكرم والأخلاق والتربية والدين... وطلبنا من كل واحد منهم على حدة أن يقوم بعمل ما خير أو شر، حيث نطلب منهم جميعا نفس الطلب مع منحهم حرية القبول أو الرفض ولأنهم متماثلون في كل شيء أعتقد أنهم سيجيبون بنفس الجواب تماما، فالجميع سيرفض أو الجميع سيقبل، أما إن اختلفوا فأناس قبلوا أن يتصدقوا بالمال مثلا وأناسا رفضوا التصدق، عندها سنحكم بعدم تماثلهم المسبق في الكرم والدين والتربية والأخلاق.. وسنقول: اختلافهم المسبق أدى إلى أجوبة مختلفة على طلب التصدق بالمال مثلا. وكذلك الطلاب المتماثلون تماما في الاجتهاد والدراسة سيأخذون نفس العلامات في الامتحان، والطلاب المختلفون ستختلف علاماتهم. أي عندما تكون المقومات المسبقة للأشخاص متماثلة ومتشابهة فسيتصرفون نفس التصرف تماما، وعند الاختلاف في المقومات المسبقة سيختلف التصرف. وكذلك التوأم الحقيقي (أي الطفلان اللذان أصلهما من بيضة واحدة انقسمت مشكلة مضغتين وأعطت جنينين) لديهما نفس المادة الوراثية في خلاياهما، ولذلك شكلاهما وجسماهما متشابهان تماما، وسيكونان من جنس واحد، ولا يمكن أن يكونا بجنسين مختلفين كأن يكون أحدهما ذكر والآخر أنثى. أي التماثل المسبق يؤدي إلى تماثل في النتيجة، والاختلاف المسبق يؤدي إلى اختلاف النتيجة. فأقول لنفسي: {لأن الله عادل فقد خلق جميع الأنفس متماثلة في كل شيء} هذا يقتضي {أن تتصرف النفوس نفس التصرف عند منح حرية الاختيار في الأزل} أي {عندما وضع الله الشهوة فيها كلها ستنظر للشهوة بنفس الدرجة} و {كلها ستحمل الأمانة بنفس الدرجة} و {كلها ستقول عند ألست بربكم: (بلى) بنفس الدرجة}. ولكن هذا لم يكن، فلم تتماثل كل النفوس عند منح حرية الاختيار، ولم تحمل كل النفوس الأمانة، واعتمادا على كلامنا السابق هذا يعني أن النفوس في الأصل غير متماثلة، هذا يعني أن الله سبحانه من الأساس خلقها غير متماثلة (حاشاه وتعالى عن ذلك)، وهذا أيضا يتنافى مع عدالة الله التي يشهد كل شيء في هذا الكون بها. إذا ملخص سؤالي هو: لا أستطيع أن أتصور حدوث أول تفارق ظهر بين النفوس في عالم الأزل إلا بكونها في الأصل مختلفة منذ أن خلقت، فالتماثل من المفروض أن يؤدي إلى تماثل لا إلى اختلاف وتفارق، فلماذا حصل هذا الافتراق الكبير للنفوس بعد أن كانت متماثلة في كل شيء عند خلقها؟؟ أريد أن أفهم على أي أساس حصلت أوووول نقطة افتراق للنفوس المتماثلة؟؟؟ رب قائل يقول: سبب الافتراق أن أناس نظروا للشهوة وأعمتهم الشهوة، وأناس نظروا لجمال وجلال الله تعالى، هذا أعرفه ولكن لماذا الأول طلب الشهوة والثاني طلب الله, لماذا هذا الاختلاف إن كانا متماثلين في كل شيء؟ علما أنني قرأت كتاب (عصمة الأنبياء)، لكنني لم أستطع أن أستخرج الجواب الشافي، أرجو أن يكون سؤالي واضحا بعيدا عن السفسطة، أرجو الإجابة، وشكرا جزيلا.
1- سؤالك لطيف وظريف يا أخي الكريم ولكن أمثلتك التي أوردتها لا نوافقك عليها السبب أن العشرة الفاضلين الذين ذكرتهم كأمثال أبي بكر ومن دونه من العشرة الأوائل هل إنفاقهم متماثل؟!
كذلك بالنسبة للمثال الذي أوردته في التوأم فهناك أولاد شقيقة ناشر كتب العلامة توأم ولكنه ذكر وأنثى. حتى في التوأم الحقيقي لابد من الاختلاف بينهم فإذا ما عشت معهم فترة من الزمن وبحثت بينهم الفوارق في الطول والعرض، وبالشكل وسمات الوجه وشكل العين وغيره وتميزهم تماماً وحتى تجد أن بصمة كل منهما تختلف عن الآخر. وبعد ذلك تجد اختلاف في الميول والصفات فكل واحد منهم يتجه باتجاه في سيره في الحياة.
وعلى كلٍّ، فهذا التوأم ليس شخصاً كاملاً مكلف له اختياره، بل جنين غير مكلف وهو جسم وغير بالغ ولا علاقة له وهذه الأجساد يوم القيامة تشهد على أصحابها، ولا يبلغ الإنسان السن القانوني ويكون مسؤولاً إلا في 16-18 وهذا الجنين أو التوأم الذي تتحدث عنه لم يبلغ بعد السن الشرعي أو القانوني حتى يسألوا عن تصرفاتهم أو صفاتهم.
فأنت تتكلم عن أجساد بمثالك الذي أوردته. وعلى كل حال لا تهمنا الأمثلة فقط بل يهمنا صلب سؤالك.
2- أخي الكريم : الله عز وجل عرض على الأنفس جميعاً حمل الأمانة لأنه أحب لهم الزيادة في النيل من جنانه وعطاءاته ولئلا يملوا في جنة واحدة كما تعرف لأن النفس من طبيعتها تحب التجديد والتبديل ولأنها تملُّ من حالٍ واحد مهما كان عالياً وتضجر إذا بقيت على درجة واحدة. فإذا توقف القطار عند منظر جميل واحد فبعد قليل ترى الركاب يتململون ويتذمرون أما إذا سار فإنهم يشعرون بالسرور ويتمتعون بتتالي المناظر الخلابة والتنقل من مشهد إلى مشهد آخر.
كذلك الرائي إذا تعطل وتوقف عند مشهد واحد فإن الناس يملّوا منه ويتركونه لغيره أما بتنقل المناظر فهم في شغف وطرب، والأمر نفسه بالنسبة للأصوات الشجية فمهما كان الصوت شجياً وجميلاً وطروباً إذا بقي على حالة واحدة فترة، فالناس يملون ويضجرون فالنفس تتوق إلى التغير والتبديل والتجديد (وكل جديد على القلب لذيذ) أطيب الطعام إذا بقي عليه الإنسان فترة من الزمن فهو يشتهي التغير ويملّ منه. وكذلك الأمر في الأزل كنا جميعاً على سوية واحدة وبجنة واحدة وخشية الملل عرض الله على الأنفس جميعها بدل الجنة جنات فتانة تسلب الألباب وتشده العقول وتنقل النفوس من سمو لأعلى ومن منظر إلى منظر أرقى وأحلى وذلك بأن تحمل الأمانة فعرض على الأنفس جميعها أن تكون حرية الإرادة والاختيار ملكاً لها لا ينازعها فيها منازع، تختار ما تشاء وهي محاسبة على اختيارها هذا. قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ..} وكلمة (عرضنا): تحمل احتمالي القبول والرفض، فالمعرض في السوق يعرض لك البضائع ولا يكرهك على الشراء أو عدمه وتكون لك الحرية في اختيار ما تريده وما تشاء.
وكذلك الأمر: الله عرض مجرد عرض على الأنفس جميعها حمل الأمانة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..} وحمل الأمانة يعني أن تكون حرية الإرادة والاختيار ملكاً للأنفس وهذا يعني أن هناك احتمالين اثنين إما ربح عظيم أو خسارة كبرى، والأنفس جميعها على الإطلاق قبلت حمل الأمانة بادئ ذي بدء وهذا موافق لرأيك طمعاً في النوال والغنيمة والجنات اللامتناهية ولكنها نظرت إلى الخسارة المحتملة فخافت وخشيت فقدان الجنة التي هي فيها وهذا ما تفيده كلمة (أشفقن منها): أي طمعوا في الربح العظيم إلا أنهم تراجعوا عن هذا الحمل الثقيل خوفاً من الخسارة وفقدان الجنة وفضلت ألا تكون مخيرة، وتبقى مسيرة بوظائفها خدمة لمن حمل التكليف، ولا تغامر مغامرة ربما تخسر فيها الجنة لذلك رضت أن تكون خادمة لمن يحمل الأمانة وتلك هي السموات والأرض وما فيها والجبال. إذن هناك في أصل العرض احتمالين اثنين إما الربح العظيم والجنات المتتالية المتعالية إن وفوا بالعهد أو الخسارة الكبرى إن خانوا العقد فكيف جعلتها يا أخي احتمالاً واحداً فقط وهو ربح مطلق وعلى درجة واحدة ونوال منزلة واحدة والسمو إلى مرتبة واحدة كلهم متماثلون؟!. ألا يوجد في الجلاءات وعند المتفوقين أول وثاني وثالث وهلمّ جره إلى أدنى المستويات أم كلهم في درجة واحدة؟!. وهذا ليس واقعي ولا منطقي لابدّ من التباين والاختلاف مهما كان الطالب مجداً ونشيطاً ومجتهداً قد يكون هناك من يتميز عنه بالنشاط والاجتهاد ويفوقه أيضاً.
كذلك في الأسرة الواحدة ذات البيئة الواحدة ومن نفس الأبوين ونفس التربية ونفس المؤهلات والإمكانيات، لا نجد أخاً يشبه ويماثل أخاً آخر أعني لا يوجد أخ يتطابق مع أخ آخر تمام التطابق لابد من وجود فوارق في الميول والجهات وإن جلسوا على مائدة واحدة ترى كل شخص يختار ما يشاء من طعامٍ يختلف عن الآخر.
وإذا رُفِعَتْ عن الجنود الأوامر المنتظمة في السير المنتظم وتركتهم لحريتهم ترى كل جندي يتجه باتجاه مختلف عن رفيقه وهذا معنى الحرية وإن رأيتهم وفق نظام واحد وبكلمة واحدة أرتال تتحرك وبكلمة تتوقف فاعلم أنهم غير مخيرين إنما مجبرين. وأنت قلت يا أخي أن هناك اختلاف بالدنيا بناءً على اختلافٍ بالأزل.
فيا أخي نوالهم حرية الاختيار عندها يكون احتمالين قبول أو رفض عند الخوف من الخسارة لذا رفضت المخلوقات خشية الخسارة والإنسان خاطر وغامر.
فيا أخي: كيف جعلت الأنفس لها احتمال واحد؟! والله أطلقها إلى عدد لا متناهي من الاحتمالات. وكيف فرضت الربح المطلق؟! ولو كان كذلك لكانت كل الأنفس حملت الأمانة ولا يتراجع أحد عن حملها ولَـمَا أشفقت منها خشية الخسارة أبداً. إلا أن الحقيقة أن الله عرض الأمانة على جميع النفوس وتصدى الإنسان لهذا الحمل العظيم وقبل بالتكليف وعلى ذلك نال من الله التشريف وأَكْبَرَ الله مغامرته تلك، وأثنى عليه لقبوله للعرض إذ كان الإنسان بحملها صادقاً لذا حمدنا الله في استجابتنا لخيرنا وجناتنا وعطاءاتنا وكان العهد ألا ننقطع عنه تعالى طرفة عين وأن نبقى مستنيرين بنوره فلا نخسر وننال بدل الجنة جنات وعندما دبّ الله الشهوة في نفوسنا بعد أن أشهدنا كل شيء وذكرنا بعهدنا وصدْقنا وحذرنا من الانقطاع وعدم الوفاء بالعهد ومن الخيانة والخسارة إذا لم نفِ بالعهد. وهذا ما نفهمه من آية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ..} سورة الأعراف: الآية (172).
هذا يعني أن هناك احتمال الربح واحتمال الخسارة إن أبوا واستكبروا ولو كان احتمالاً واحداً كما تقول فمعنى هذا نفي منح الحرية والاختيار وجعل الإنسان مسيَّر مجبر كالآلة. والأمر ليس كذلك فالله أعطى النفس المكلفة كامل الملكات والأحاسيس والمشاعر وأعطاها فكراً لترقى به وجعلها ذوات عاقلة ومنحها الاختيار وكامل الحرية وهذه الأنفس ليست جمادات وآلات تعطيها شيئاً واحداً فتعطيك نفس المردود، ليس هذا مقبولاً في مجال النفس الشاعرة التي لها حريتها وملكاتها، فهي ليست مسيرة بل مخيَّرة تستطيع أن تختار وباقي المخلوقات لا تستطيع الاختيار بل تبقى مسيرة ضمن وظيفتها وليس لديها فكر لأنها اختارت مسبقاً في عالم الأزل.
حتى بالنسبة للناجحين الأوائل وهم السادة الرسل والأنبياء هناك تفاوت في الكمالات التي نالوها رغم أنهم على درجة عالية في النجاح نالوا شهاداتهم مسبقاً وهم السابقون الفائزون ومع ذلك هناك تفاضل بينهم وليسوا على درجة واحدة، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ..} سورة البقرة: الآية (253).
وإذا كان الأمر على رأيك يا أخي أنه يجب أن تكون جميع الأنفس بسوية واحدة ودرجة واحدة هذا يعني أنهم مسيّرون ومجبرون غير مخيرين وهذا غير مقبول.
وهناك مجموعة قوانين إن طبقها الإنسان يكون قد وفى بعهده وإن خالفها يكون قد خاب وخسر وعلى قدر التفريط تكون الخسارة متناسبة.
فقسم قرر بكامل حريّته الوفاء بتطبيق ما أوصاه الله به وبَدَأ ينتظر بشوق وحنين وصدق عظيم وجعل الشهوات كمطايا لا كأهداف وكوسيلة للرقي وللنهوض لا كغاية وهؤلاء السادة الأنبياء الذين نجحوا مسبقاً وفازوا فوزاً عظيماً.
وقسم آخر بما أنه منح حرية الاختيار ورأوها ملْك يديْهم فانفكوا عن الله وانكبوا على الشهوات اعتماداً على حرية اختيارهم، وعرفوا أن الله لا ينازعهم بحرية إرادتهم ولا ينزع عنهم هذه الحرية لأن الله لا يغيّر، وبخسارتهم ربهم خسروا سمعهم وبصرهم وكافة أحاسيسهم لأنه تعالى الممد بها وهم انفكوا عنه ففقدوها. وهنا بالدنيا أخرجهم الله وعوّضهم بدل السمع الذي فقدوه والبصر والذوق بأعضاء جسدية يسمع من خلالها ويبصر ويتذوق ويتعرَّف على الأشياء من خلال الجسد وزوده بسلاح "أعني به الفكر" يستطيع بواسطته أن يصل إلى الإلۤه فإذا استعمل تفكيره في الصنع وفي الكون يتوصل إلى الإلۤه الذي فقده، فهذه الدنيا دورة جديدة المجتهد فيها ينال.
والحرية هي الآن ملك يديك فاختر لنفسك الربح والفوز وتلافَ الخسارة، فالباب هنا في الدنيا مفتوح على مصراعيْه والخيار خيارك فاختر الجنات التي هيأها الله لك ولا تختر النيران والخسران بسبب شهوات منقضية يعقبها الألم الأبدي وقانا الله وإياكم أن تكون النيران المسكِّنة للآلام لنا لزاماً.
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
سيدي الكريم لكم جزيل الشكر على هذا البيان العالي والذي يتجلّى في كتب العلامة الإنساني الكبير محمد أمين شيخو وكلي أمل أن يسعني عظيم لطفكم لأسئلتي.
في الصفحة 265 من كتاب السيد المسيح: فأكلا من الشجرة أي طعما من ثمرها ووضعاه في فيهما.
في الصفة 271: إن الفكر يتوقَّف عمله على وجود الدماغ وجريان الدم فيه... أما إذا خرجت النفس من الجسد فهنالك تتوقف جميع الأجهزة الجسدية عن العمل...
السؤال: سيدي الكريم لمْ يعتبر أكل سيدنا آدم من الشجرة معصية بسبب النسيان لعدم وجود الفكر، لعدم جريان الدم في الدماغ لأنه متوقف عن العمل والدماغ جزء من الجسم مثله مثل اليد والقلب وسائر أعضاء الجسد وهنا أسأل كيف استطاع سيدنا آدم أن يمد يده للشجرة ويأكل منها ويحرِّك فمه ويمضغ ويبتلع وأجهزة جسده متوقفة مثل الدماغ والجسد لا يعمل لعدم جريان الدم فيه.
لقد نهى الله تعالى سيدنا آدم عن الاقتراب من الشجرة لقوله تعالى: {..وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ..}.
وتوضيحاً لمعنى القرب هنا نضرب المثال الآتي فنقول:
لا نستطيع أن نقول الشمس قريبة من الأرض وإن كانت أشعتها منصبة على الكرة الأرضية سارية في مياهها وبحارها وملامسة كل جزء من أجزاء سطحها ما دام جرمها بعيداً عنها. وإذا اقترب جرم الشمس نحونا أحرق كل شيء، ولكن الشمس لا تقترب من الأرض ومع ذلك تقوم بجميع وظائفها المادية، وتستطيع التأثير في مياه البحار والمحيطات فتبخِّرها شيئاً فشيئاً، كذلك لها تأثير على الرياح والسحاب الحامل لمياه الدنيا، ولها تأثير على النباتات بعملية التركيب الضوئي اليخضوري، وعلى الحيوان والإنسان، فللشمس تأثير مادي على كافّة الموجودات المادية دون أن تقترب منها. هذه شمس الصورة، وهناك أيضاً شمس الحقائق وسراجها المنير للقلوب بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 45-46]. فالرسول ﷺ بحق شمس ساطعة للعالمين، وكذلك سيدنا آدم عليه السلام، رسول، نبي، ينطبق عليه نفس الوصف.
كانت أشعة نفسه سارية إلى تلك الثمار متنعّمة بذوقها، وهي بذلك غير قريبة منها ولكن إن أراد سيدنا آدم أن يؤثِّر بنفسه على المادة يستطيع ذلك إن أحب، فكما أن للشمس تأثير على المادة كذلك لسيدنا آدم ونفسه الشريفة تأثير على جسده المادي بشعاع نفسه القوي وإن كانت خارج الجسد "إن أحب ذلك وأراده" فالله يمنحه طلبه ويطلقه لما يريد، وقد لا يريد إن رفض، فالأمر موقوف عند إرادة سيدنا آدم، ولكن سيدنا آدم أراد أن يأكل من مادة الثمرة حباً بالله وطلباً في استدامة النعيم بجناته، هذه نيته السامية فسلَّط إرادته على جسمه واستطاع أن يحرك يده وأن يصل للثمرة ويدخلها في فمه ويأكلها، وهنا تبعت النفس الثمرة ودخلت في الفم إلى الصدر ووقتئذٍ تحرَّك جهاز التفكير وتذكر أن الله نهاه عن الشجرة وهو قد نسي، هذا وفي الجنة تتم الأعمال على الإرادة، فمتى أراد المرء نفَّذ الله تعالى للمرء طلبه فوراً هناك عالم كن فيكون، إذ كان سيدنا آدم زوجه إذ ذاك بالجنة يأكلان منها رغداً كما يشاءان كما أورد تعالى.
إذن: لشعاع نفس سيدنا آدم الشريفة تأثير على جسده، إن أراد وإن رغب بذلك يمدُّه الله بالحول والقوة ويلبّي له ما يريده.
كذلك الملائكة وهم مخلوقات لا مادية إلا أن لهم تأثير على المادة "إن أذن الله" كالملائكة التي قلبت الأرض عاليها سافلها على قوم لوط بإمداد آمرهم به جلَّت عظمته تعالى، وقاتلوا مع الصحب الكرام بوقعة بدر.
السلام عليكم: بدايةً أشكركم على موقعكم الجميل والمفيد. وأود فقط أن أسأل: هل كان للعلّامة الجليل محمد أمين شيخو قدس الله سره مريدين آخرين؟ وهل هم الآن على قيد الحياة؟ فمن هم وما هي مراتبهم؟ وهل استفادوا مما تعلّموه من معلّمهم؟ وهل قاموا بتبليغ الناس بما تفضّل عليهم العلّامة محمد أمين شيخو كما فعلتم أنتم؟
نعم له مريدون آخرون بحلقة الأستاذ عبد الهادي الباني بالمهاجرين بجامع الكنانة.
ومن مريديه الأستاذ راتب النابلسي وحلقته بجامع عبد الغني النابلسي بالصالحية.
اكتفوا بالتدريس (بجوامعهم) بمساجدهم ولم ينشروا علوم العلّامة الكبير محمد أمين شيخو قُدِّس سِرّه بعد.









