درر الأحكام في شرح أركان الإٍسلام

سلسلة (المدارس العليا للتقوى)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
درر رحمانية أنارت سبل الرشاد بلطيف المعاني، فازدهى الكون بمعارج القدس وفاح مسك الشروح، فهي عيد للقلوب، وفيها شفاء، وهي مجلى الحق المنير.
حلا ذكرها فهزَّ العقول والقلوب طرباً بالعلم الحقيقي، فتلألأ الكون مسروراً بنشرتها، نور الهدى قد بدا من شمس الحقائق فمحا عنا العمى.
فهل عجزت العلماء أن تأتي بعطاء مماثل؟!
عطاء أشده وأدهش كل عالم وفيلسوف فازدان الوجود جمالاً وطابت الطقوس الصمّ بالشهود والشهد، إذ كانت قبله أشباحاً بلا أرواح، وأوانٍ بلا غذاء، فجاء بالروح والريحان وجنات النعيم ...
ختام المسك المحمّدي.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة وأجوبة حول بعض المواضيع إيمانية
ما هي طرق الابتعاد عن الشهوات؟
لو فكر الإنسان بطرق الشهوات ومآلها ونتائجها، وبما يراها على الغاوين الضالين وينظر إلى خواتيمها وأنَّ كلها هلاك فيمجّها ويكرهها ويتطلب طريق الحق والحقيقة والدين.
فلو نظر لسلوك وأفعال المجتمع يجدها كلها طرق وأساليب "ميكافيلي": أي طرق وحشية وكذب وخداع يُلبسونها أثواباً يزعمون أنها إنسانية وهي العكس، لأنهم يظنون أن الدنيا لا تؤخذ إلا غلاباً، بالخيانة والمكر والكذب والدجل، أساليب ميكافيلي وأساليب شيطانية ولكنها كلها تعود على نفوس السالكين بها بفقدان عفة النفس والكرامة والرحمة ونتائجها الذل والهوان، لذائذ مهلكة للنفس البشرية وهو لا يرضاها لنفسه فكيف يرضاها على غيره! وكلها قائمة بأساسها على الكذب والنفاق لا على الحقيقة أبداً.
والحقيقة: أنها لا تعود على النفس بالسعادة بل بالشقاء والضيق والضنك والكرب مهما كسب من هذه الدنيا بهذه الطرق المنحرفة، فإذا أبقت النفس وأبت البقاء في مواطن هذه الأمور السيئة مهما كان كسبها المادي وقيمتها عند الناس، فإذا فكر هذا التفكير فهو يرفضها ويطلب الحقيقة العلمية المجردة، أي يرفض اللذة بهذه الطرق ويتطلب الحق والحقيقة بصدق. فينتبه ويجعل حياته كلها بمسرى الحق والحقيقة، إذا نظر وفكر هذا التفكير وتطلَّب السير بالحق، عندها يجمعه الله تعالى مع أهل الحق، وقد يكون من يجتمع بهم بدرجات عالية "نبيون أو مرسلون". فبمجرد ما يسمع كلامهم العالي الذي لم تألفه البشرية ذوي القلوب العمياء أما هو فيقدره تقديراً عظيماً عندها يلتفت إلى أصحاب الحق أهل الله، فينغمر بسعادة قلبية، بل ويشاهد مشاهدات نفسية نورانية ما كان أبداً يعرفها ولا يحلم بها، تجعله يندم على حياته الماضية التي قضاها دونهم ويتحسر كيف أضاع قسطاً من حياته دونهم، لأنه بسلوكه معهم ينال الجنات الحقيقة، وأين سعادة الجنان بل أين الجنات من هذه الدنيا المادية ولذائذها التي لا تكاد تذكر تجاه ما يناله أبداً وبذا تكون نفسه قد ابتعدت عن طرق الشهوات الدنيوية الدنية مهما كان كسبها الدنيوي جسيماً ويغدو بحالٍ يشابه حال أبي يزيد البسطامي حين قال معبراً عن حاله: (إن في قلبي نعيماً لو اطلعت عليه الملوك لقاتلوني عليه بالسيوف). عندها نفسه لا تهوى إلا سلوك المسالك والمناسك التي تثبته في طريق السمو وتزيده علواً.
وختاماً: فإن طبق طريق الإيمان المخطوط في دلالة العلّامة ويقّن بالموت وحتماً شاهد بدايته الجسمية وقبلها النفسية، لا يمكن بعدها أن يقع في معصية أبداً، إذ نال الإيمان الذي لا كفر بعده {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ..} من الدنيا {..لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} فلا حاجة لهم بما في الدنيا من شهوات لأنهم ينالون نوالاً سامياً من طريق عالٍ سلَّكهم فيها رب الشهوات العلى، هنا يأتي بحث الصلاة، ففي الصلاة تعرج النفس من حالٍ إلى حالٍ أعلى وأرقى. وهذا الإيمان يسري في النفس كما تسري المياه بالأغصان والكهرباء بالأسلاك، فيشع النور والحياة والبهجة والسرور والمسرات ينالها من الله مباشرة فهو غني عن الدنيا وأهلها، لكنه وقد اكتسب الرحمة والحنان والعطف من الله يسعى لينيلهم مثل ما نال من الغبطة الأبدية والرقي المتسامي، وهذه طرق الابتعاد عن الشهوات، ولكن فيها نوال كل المكرمات والجنات.
سلام من الله عليكم ورحمة الله
سيدي الفاضل:
قد علمنا بفضل عظيم علمكم أنه لابد للتوجه والاقتداء بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم (بكل طقس من طقوس العبادة أكانت صلاةً أو تفكراً بخلق الله أو..) وذلك لنيل الإيمان الشهودي الحق، ولكن تأبى النفس التوجه إلا لما هو محسوس وملموس، رغم عظيم فضله صلى الله عليه وسلم.
فهل اقتداءنا وتوجهنا لعلامتنا العظيم قدّس سره يفي بالغرض؟
جزاكم الله عن العباد الخير والعلا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقول تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} سورة الإسراء: الآية (57).
فيا أخي: الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأقرب إلى الله.
الارتباط بكل من هو مرتبط بصدق مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوصل للرسول صلى الله عليه وسلم والرسول الكريم يوصل إلى الله.
كما هو الحال بمآخذ الكهرباء، من أيّ منها تستطيع أن تأخذ النور إذا كان مرتبط بالمأخذ الرئيسي.
هل يجوز تعويض جلسة الساعة المسائية في الوقت بين المغرب والعشاء لمن فاتته وهل الإيمان في هذا الزمان معجزة أو فوق طاقة البشر بسبب الفتن والشهوات أم أنهم ليسوا بوادي الإيمان والطهارة؟
الطالب الصادق بكم من الوقت يصل لأول مراحل الإيمان الشهودي وخلال هذه الفترة ألا يوجد مبشرات وبوارق ورؤى؟
جزاكم الله عنا خير الجزاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولاً: طبعاً يجوز تعويض الساعة المسائية لمن فاتته في وقت الغروب والتفكر بآلاء الله وصنعه في أيّ وقت ولكن أنسب شيء للتفكر هو في وقت:
1- الانقلاب النهاري "الساعة الصباحية".
والتعويض لكم جائز والله تعالى يعوضك بأحسن مما فاتك يا أخي الحبيب.
2- نتابع الانقلاب المسائي "الساعة المسائية".
في هاتين الساعتين يحصل التحول والانقلاب فتلتفت النفس وتتوجه لما يحصل حولها ويكون التفكير بأكمله، هذا هو قانون الإلۤه العظيم وهو الذي خلق الأنفس وهو الأعلم بما يناسبها وبما فيه سعادتها لذلك جاء الأمر بالقرآن: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} سورة الأحزاب: الآية (42).
ثانيا: كلا يا أخي ليس الإيمان معجزة وليس فوق طاقة البشر لأن الله في كتابه العزيز يأمرنا بالإيمان وحاشا لله أن يأمرنا بأمرٍ لا طاقة لنا به وفوق وسعنا قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا..} سورة البقرة: الآية (286). وما الفتن والشهوات إلا مكاسب ومدارج لمعارج، فلولا المقاومات لما نتج شيء:
فمثلاً التيار الكهربائي عندما يجري في السلك ويواجه مقاومة ما يتحول لإنارة أو لحرارة أو لحركة على حسب الآلة والمقاومات الموجودة.
كذلك النفس البشرية لولا المقاومات للشهوات والفتن لما كسبت ثقة ولما أقبلت على ربها، فبالتضحية بالغالي على النفس والمحبب لديها تتجه النفس لمن بسبيله ضحت وهو الله جلَّ جلاله، فهذه الشهوات وضعت للخير، بل هي سهم مسموم من سهام إبليس من تركها مخافة الله أبدله نعيماً يجد حلاوته في قلبه.
والحقيقة هذا أصعب زمان بالوجود فما أعظم من يؤمن به والأجر على قدر المشقة.
ثالثاً: تسأل هل هناك مبشرات وبوارق ورؤى للطالب السالك في طريق الإيمان؟
نقول طبعاً لابدّ أن تحصل للسالك مبشرات وأحوال ومشاعر وبوارق، فليحافظ عليها الإنسان وليكثر من الخلوات ومن أعمال الخير التي تنمِّي هذه المشاعر حتى تصل بالإنسان في آخر المطاف للشهد والشهود وللتقوى وهي الاستنارة بنور رسول الله ﷺ الموصل لنور الله قال تعالى: {..وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} سورة الحج: الآية (32). وشعائر الله: هي تلك الأحوال القلبية والمشاعر العلوية التي يشعر بها المؤمن أثناء سلوكه الإيماني ومجالس العلم الحقيقية والتضحيات لجانب ربك للفقير والمسكين.
ما هو الفرق بين المسلمين والمؤمنين والمتقين؟
المسلم من سلم الناس من لسانه ويده.
المسلم: امرؤ سار مع أهل الحق وأهل الصدق ولازم مرشداً صادقاً واتّبعه، فصدّق بما جاء به رسول الله ﷺ تصديقاً كبيراً، وبهذه الرفقة والملازمة مع أهل الصدق عاش بنعيم قلبيٍّ بما ينعكس عليه عن طريق مرشده فأغناه عن المحرمات واستقام وحافظ على جوارحه فلم يقع في معصية ولم يقترف إثماً وابتعد عن اللغو والمجون وسَلِمَ الناس من لسانه ويده فلا يشتم أحداً ولا يطعن أحداً ولا يلعن أحداً ولا يسرق ولا يتعدى على أحد فلا يسلب الناس أموالهم ولا أعراضهم ولا ينهب الآخرين ولا يأخذ أموال الحرام ولا تقع يده على أذى ولا تلمس حراماً.
استقام هذه الاستقامة بمعية أهل الحق والصدق الذين سار معهم فطبّق الأوامر كلَّها بالتمام وانتهى عن النواهي وجاهد نفسه في هذا التطبيق إذ فعل المأمورات طمعاً بالجنة ونعيمها وترك المنكرات وجاهد نفسه صابراً على الشهوات، خوفاً من النار وحريقها فهذا حال المسلم وهذه آثار محبة الإنسان لامرئٍ مؤمنٍ تقيٍّ من أهل الصدق.
تمسَّك إن ظفرت بذيل حرٍّ فإنَّ الحرّ في الدنيا قليل
وما دام المرء متمسكاً بمحبة من وثق به وما دام معتمداً على نصحه وإرشاده فهو بخير فإذا مات مات على خير حال، إذ كانت أعماله في دنياه طيبة ولم يفعل شيئاً يخجله أو يغضّ من إنسانيته أمام ربه أو يستوجب عليه القصاص فنال بالآخرة الجنة وعن هذا المسلم عبّرت الآية الكريمة: {..وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ..} الزمر (29).
فانظر إلى أحوال المسلم وآثار ارتباطه بالصادقين ونتائجها.
أما المؤمن: من أمنة الناس على أموالهم وأعراضهم، وذلك لأنه تعرَّف على ربِّه بأن سلك خطوات الإيمان عملياً ولم يتلقّن الإيمان من محدثه أو من أمه وأبيه بل حصل على الإيمان بجده واجتهاده الذاتي ولم يعتمد على أقوال الآخرين فقط حتى يوقن بأن أقوالهم تتطابق وكلام الله بالقرآن.
فصدق بطلب ربِّه وصَمَّمَ على الوصول بالأصول إذ راح يفكر ببدايته ممَّ خُلق ومن الذي عني به وهو ببطن أمه وعندما خرج إلى الدنيا من الذي حضّر له لبناً سائغاً في صدر أمه، مع أنه قبل أن يولد لم يكن لهذا اللبن أيّ أثر في ثدي الأم، والذي خصَّصه الله لهذا الطفل الرضيع، فكم هي رحيمة هذه اليد التي تدبر وتربي وتعتني به! فمال قلبه لله، ثم نظر هذا الإنسان نظرة أخرى في النهاية ورأى أنه يسير نحو الموت، إذ أن الموت كأسٌ لابدّ لكل حيّ أن يتجرعه فالملوك والسلاطين والأغنياء جميعهم لاقوا حتفهم وتركوا الملك والجاه والغنى وراء ظهورهم حتى الأنبياء والمرسلين العظماء ذاقوا الموت.
إذن: لهذه الدنيا بداية ونهاية ولها غاية أُخرج الإنسان لبلوغها، عند ذلك جزم طالب الإيمان في البحث وواصل التفكير والتأمل في الآيات الكونية: في السماء وما فيها، في الأجرام والقمر والشمس ولم يدع آية كونية إلا وفكر بها وما زال يدأب ويجاهد ويجتهد في البحث عن إلۤهه متذكراً الموت والفراق وما بعده ليكون له دافعاً وحافزاً للمضي قدماً فسار كما سار المثل الأعلى والقدوة المثلى لطالبي الإيمان والنموذج الإنساني الأرقى لطالبي ربهم كسيدنا إبراهيم الخليل. وما زال يدأب في هذا الطريق الإيماني حتى وصل إلى معرفة هذا الرب العظيم والإلۤه القدير وآمن إيماناً ذاتياً منبعثاً من قرارة نفسه، لا بناءً على تصديق الآخرين والثقة بهم. بل فقط باجتهاده الذاتي لذاته وتفكيره فرأى يد الله قائمة عليه لا تتركه لحظة ولا أقل من ذلك ومشرفة على الكون كله بسمائه وأرضه وبحاره، فخاف ربه وخشيه وهابه. فتجد هذا المؤمن لا يستطيع أن يفعل منكراً أو يقترف إثماً، إذ يحجزه إيمانه عن الوقوع في المحرمات لأنه يرى الله مشرفاً عليه دوماً ومعه حيثما سار وأنى اتجه وقد تميل نفسه لشهوة من الشهوات المحرمة، ولكن خوفه من الله يحجزه عنها. وهذا ما يشرحه الحديث الشريف: (من قال لا إلۤه إلا الله مخلصاً بها دخل الجنة، فقالوا: ما إخلاصه بها يا رسول الله. قال: أن تحجزه عن محارم الله).
ومن يؤمن هذا النوع من الإيمان لا يثنيه عنه أهل الأرض جميعاً ولو اجتمعوا إنساً وجناً، ولا يستطيع أحد أن يبعده عن ذلك الإيمان لأنه حصل عليه بجهده وبحثه الذاتي وليس من غيره. وفي سورة المؤمنون شرح وافٍ عن المؤمنين وأحوالهم واستقامتهم وذلك في مطلع السورة، وبعد ذلك ذكر الخطوات التي اتبعوها حتى وصلوا لهذا الإيمان من تفكير في البداية والنهاية والآيات الكونية بما في السماء وما في الأرض وهاك الآيات، قال تعالى:
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)}
ويستمر هذا المؤمن على الاستقامة والطاعات وأعمال البر والإحسان والخيرات فتتولد الثقة بنفسه بأن الله راضٍ عنه بعمله فتقبل نفسه على الله مطمئنة برضاه عنها، وذلك بالصلاة فتقف بين يدي ربِّها خاشعة استعظاماً مما شاهدته من عظمة ربها متذللة ليعفو الله عما مضى من أخطاء وإساءات قامت بها في الجاهلية، ويغمرها تعالى بنوره وتجلياته فتزول من النفس المصلية الميولات المنحطة والصفات الذميمة والعلل والأمراض النفسية وتنال المكرمات والكمالات من رب الكمال فتغدو مزدانة بالكمال ومتشحة بالفضائل، فمن يؤمن هذا الإيمان ويصلي هذه الصلاة الصحيحة يهدي الله قلبه ويدله ويرشده للرسول ﷺ {..وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ..} التغابن (11). فيهتدي ويعرف أن رسوله هو رسول الله بإيمانه ولو أنكره الناس جميعاً يحب المؤمن رسول الله ويقدِّره لسبقه إياه في مضمار الكمال والفضيلة، فترتبط نفسه به ارتباطاً قلبياً معنوياً وهذه الروابط روابط تقدير ومحبة لا انفصام لها لأنها مبنية على أسس قويمة من الإيمان الذاتي اليقيني (فلا يعرف رسول الله إلا المؤمنون بالله) وبهذه الرابطة يسري النور الإلۤهي من الله إلى هذا العبد عن طريق الوسيلة السراج المنير ﷺ، فيرى المتقي الخير خيراً فيتبعه حباً به ويرى الشر شراً فيتجنبه ويعافه كرهاً به لما يرى فيه من ضرر وأذى وتلك هي التقوى هي أعلى وأسمى مراتب الإيمان.
فالتقي: إنسان بصير مستنير بنور الله عن طريق رسول الله ﷺ، ومشاهد بهذا النور حقائق الأمور حيث يميِّز خيرها من شرها هذا قد نجح ما دام مستقيماً لأنه حمل الأمانة من دون كافة المخلوقات والكائنات وعاهد على ألّا ينقطع عن النور ويتمسك به فلا ينفك عن الله وحقق ذلك فلم يخن ولم يحنث بعهده فقد وفّى هؤلاء هم المتقون {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ، وَكَأْسًا دِهَاقًا ، لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} النبأ (31-35).
السلام عليكم
هناك حلقة مفقودة (أو إنني أنا لا أراها) الإنسان السالك لطريق الإيمان فكر بالموت حتى خافت نفسه من المصير فراح ينظر في آيات الكون حتى توصل لتعظيم تلك اليد الصانعة ولكن لحظة شعوره بنور الله أو الدخول على الحضرة الإلۤهية من باب السلام ﷺ هذه اللحظة هل هي شيء محسوس ملموس يعني هل يحس بخروج نفسه يعني هل يحس بوجود أو حدوث حالة جديدة لم يكن يعرفها سابقا ويكون لها تاريخ عنده يبقى يتذكر تلك اللحظة فيقول -مثلا- إنني بتاريخ كذا وبالساعة الفلانية وصلت للإيمان بالله أم أن الأمر هو شعور بالراحة النفسية أو ما شابهها فأنا سمعت قصة مفادها أن رجل كان زائراً للمقبرة يذكر نفسه بالموت وفيما هو بتلك الحالة من الصفاء النفسي الكبير وإذ بكلب -أكرمكم الله- ينبح بجانبه أو يمر من أمامه فيفزع وخرجت نفسه ويقال انه سمع أو ذاق أحوال الأموات وسمع صراخهم من الآلام (قد تكون القصة ليس بنفس الرواية ولكن تقريباً بهذا المعنى فأنا سمعتها مقاطع ومن عدة أشخاص) فكيف تخرج النفس وهل يحس بها الإنسان أم هو كخروجها أثناء النوم - الإنسان التقي كيف يرى بنور الله (أعرف أنه لا يمكن شرح ما هو طعم العسل لرجل لم يرَ العسل ولم يذقه) هل تتولد له عين جديدة فالتقي يميز الخير من الشر فمثلاً يرى الفعل أو الأمر فيعرف أنه خير أم شر فكيف يرى خير الأمور أو شرها هل يصبح لديه كما بتعبير لديه فراسة وبداهة بمعرفة الشيء أم يرى كما يرى بعينه عين الرأس.
1- تسأل: [هل لحظة دخول المؤمن على الحضرة الإلۤهية هي شيء محسوس ملموس أم أن الأمر هو شعور بالراحة النفسية أو ما شابهها].
الجواب: نقول إن لحظة دخول المؤمن على الحضرة الإلۤهية هي شيء لا محسوس ولا ملموس ولكنها أكبر بكثير من المحسوسات والملموسات.
لأن الحواس الخمسة ضيقة محدودة. تحصل من خلالها على لذائذ عابرة آنية منقضية محدودة ومحصورة، أما هنا بالإيمان اليقيني الثابت المضمون يحصل لك العقل والعقل هو الدين ومن لا عقل له لا دين له. وأن ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها. فالعقل هو حقيقة يقينية تدركها النفس بذاتها وتتوسع بها، وأثر العقل بالنفس أوسع من الكائنات كلها، وأعلى من النجوم السابحات السائحات وأعمق من البحار والمحيطات. وأشهى وألذ من ملذات الكون بأسرها.
العقل: شيء ماثل بالنفس لا يزول أبداً حتى بعد الحياة الدنيا، أما المحسوسات الملموسات فإنها تزول وتفنى بعد الموت، وكلها مطية ووسيلة للرقي إن ضحيت بها يحل محلها العقل أي الشهود النفسي تشاهد بها أسماء الله الحسنى وتنال بذلك الجنة.
فندعو الله أن يجعل الدنيا بأيدينا ولا يجعلها في قلوبنا.
أنت تقول أشهد ألا إلۤه إلا الله، فكيف تشهد إن لم يكن لديك نور أسطع من الأنوار المادية، بل وكيف تشهد ما لم تفتح منك عين البصيرة التي بها ترى النفس رؤى أوضح مما تراه بعين الرأس، إذ أن النفس تتوسع بالله فترى وتشهد بإيمانها إمداد الله الواسع اللامتناهي على الكون وتعقلها، وتسري لترى الآخرة وأحوالها وترجع للوراء لتتذكر وترى الأزل والخلق الأول، وكيف أنه عاهد ربه على الأمانة وعدم الخيانة فتعقلها ايضاً، وهذا لا تدركه الحواس المادية الضيقة، فهذا هو الحق وما دونه من محسوسات وملموسات ما هي إلا خيالات وسراب ولذائذ زائفة آنية منقضية.
والله يقول (..إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) سورة الذاريات: الآية (23). أي مثل هذه الحياة السارية في أجسادكم والتي تجعلكم ترون وتسمعون وتنطقون كذلك الحياة القلبية المتواردة عليكم عن طريق رسول الله حياة حقيقية تسري في قلوبكم وهي أسمى وأعلى وأبهى وبها السعادة والمسرات والنعيم المقيم.
أي أن الفرق بين العطاءات النفسية والعطاءات الجسمية كالفرق بين حجم الجسم وحجم النفس المكلفة حين تتوسع بالله، فحجم الجسم بهذا الكون يكاد لا يذكر لأن حجم الكرة الأرضية بالنسبة لبعض النجوم يبدو صغيراً جداً فكيف بالإنسان وهو بهذا الحجم الصغير أما نفس الإنسان الذي حمل الأمانة والتكليف ونجح إذ آمن بلا إله إلا الله أوسع بكثير من الكون بأسره، أما بقية ذرّات هذا الكون ومجراته وبروجه بنجومه التي نجم منها أكبر من حجم الأرض بمليارات المرات كلها أقل من حجم النفس المكلَّفة فهي لم تحمل التكليف والتشريف، أما الذي حملها ونجح فنفسه لا جسمه أوسع من الكائنات وينال من الله عطاءات فوق ما يناله الكون من العطاءات، فحين دخول النفس على الحضرة الإلۤهية يمنحها ربها أكثر مما يمنح هذه النفوس المتمثلة بالنجوم والأبراج والشمس والقمر والكواكب.
فلحظة الدخول على الحضرة الإلۤهية يظن الإنسان أنها عطاءات محسوسة ملموسة على الجسم ولكن الجسم بالحقيقة لحظة الدخول التي ذكرناها ينصعق ويلقى أرضاً كما انصعق جسم سيدنا موسى حين شاهد جمال الله بنهاية رمضان واقتضاه الحال عشرة أيام حتى استطاعت نفسه أن تعود لهذا الكون ولجسمه.
علماً أن التجلي لم يكن مركزاً عليه بل على الجبل الذي اندك وتلاشى بحب الله عن وظيفته. إذن هذه اللحظة هي لحظة من لحظات عقل الجمال والجلال والعظمة واللطف والعطف والحب الإلۤهي، فالنفس البشرية المكلفة الناجحة تتحمل من التجلي الإلۤهي ما لا يتحمله الكون بأسره فأين الجسم واللمس عندها، إنه العقل أي المشاهدة النفسية من ذاتها بذاتها للذات الإلۤهية بأسمائها الحسنى.
2- وتسأل [هل يستطيع الإنسان أن يضع تاريخاً للحظة دخوله على الحضرة الإلۤهية].
الجواب: إن دخلت نفس المؤمن المقدرة لرسول الله على حضرة الله عندها يفنى لديه الماضي والحاضر والمستقبل، فمن عرف الخالق صغر المخلوق في عينه ومن دخل على الله بمعية من قدره ﷺ يغيب عنه الزمان والمكان حتى يغيب عن جسمه وعن نفسه وعن الوجود بأكمله.
فالجمال المتناثر في الكون على الوديان الجميلة ذات الشلالات البديعة والجبال الشاهقة والورود والزهور بشذاها وروعة سنا جمالها، ناهيك عن جمال البنين والبنات وغيرها كلها أثر بعد عين من جمال الحضرة الإلۤهية وجلالها وهذه التي ذكرناها كالنجوم إذا أشرقت شمس الضحى هل تشاهد نجمة.
فالحقيقة بالدخول على الحضرة الإلۤهية يحصل له فناء عن المخلوقات بأسرها وبقاء بالله. فهو لا يرى إلا سناء وبهاء وجلال جمال الأسماء الإلۤهية العليّة وجناته التي فيها الغبطة الأبدية، أي يحصل له (غسل نفس وغسل دماغ) فهو لا يرى إلا الله يرى الحقيقة اليقينية. فأنى له أن يتذكر زماناً أو مكاناً بذلك الوقت، أما حينما يعود من هذه الرحلة السامية القلبية وإلى وجوده وإلى المكان والزمان فإنه يتذكر بشكل عام الفترة الزمنية بدون تحديد تاريخي لأن الزمان والمكان يفقدان وجودهما حين يبتعد في المركبة الفضائية عن الأرض.
الزمان مبني على الدوران، دوران الأرض والقمر والشمس وهذه كلها زائلة لا محالة، فمفهوم الزمان والمكان وسائل بدائية للوصل بهذه الأصول إلى الإيمان وإلى الحضرة الإلۤهية ولحظة الوصول لا يتذكر شيئاً ويغيب عن كل شيء، أما بعدها قد يتذكر الزمان والمكان وقد لا يتذكر.
3- وتسأل: [لحظة دخول المؤمن على الحضرة الإلۤهية هل يحس بحدوث حالة جديدة لم يكن يعرفها].
الجواب: حتماً: فقد أصبح في عالم ثانٍ يحصل على حياة من نوع آخر أجمل وأطيب وأنور وأحلى، نعم سيتغير حاله سيخلع ثوب الشيطانية أو الحيوانية ويلبس ثوب الإنسانية فلو كانت نفسه فحماً أسوداً لغدت ألماساً، ولو كانت من نوع التنك لصار قلبه ذهباً صافياً، فستتبدل جميع صفاته من بخل إلى كرم ومن قسوة إلى رحمة ومن جبن إلى شجاعة ومن عمى إلى ديمومة النور فيصبح بصيراً.
فبالتبدل الكلي كما تبدل صحب رسول الله ﷺ إذ كان العرب أحقر خلق الله فغدوا أسمى الخلائق وسادة الدنيا والآخرة وكذلك كل من اتبعهم بإحسان في أي مكان وزمان.
فهو يحس بنعيم في قلبه أرقى وأبقى بكثير من نعيم الملذات الحسية اللمسية، فالمسرات لا تغادر قلبه ولو مرض جسمه.
فلن يغادره النعيم وبعد الموت سيتضاعف هذا النعيم ويزداد إنارةً، وكذلك يوم القيامة وما بعدها وذلك بفضل من أوصله وهو النعمة العظمى والعروة الوثقى اليقينية التي لا انفصال لها، وينال النعيم من حضرة الله مباشرة عن طريق رسوله السراج المنير ﷺ.
4- أما عن القصة التي سمعتها:
فقد سمعتها مشوهة النقل لأن الذي نقلها لم يعقلها. فالقصة هي أن رجلاً كان في المقبرة يذكِّر نفسه بالموت ويخاطبها أنه لابدّ من دخولها إلى المقبرة وأن يأتي الأحباب والأخلاء به محمَّلاً على النعش ويدخلوه في هذه الحفرة الضيقة (القبر)، وبتلك الأثناء اندفع بأذنه صوت قوي وهواء ساخن. ففزع الرجل وإذا بكلب كان نائماً على القبر ولم يستيقظ إلا حينما وصل إليه هذا الرجل وكانت ظلال الشجر تحجب جسم هذا الكلب، ولكن الرجل تفاجأ بصوته القوي يعصف بأذنه على بعد سنتمترات وهواء فمه الساخن يصل إلى أذنه فلم يعلم أبداً ماذا حدث ومن أين أتى هذا الصوت وتلك السخونة، ففزعت نفسه والتجأت للفكر. وقد كان التفكير قد وصل إلى أن المشيعين أنزلوه بالحفرة، فبالتجاء النفس إلى الفكر تبعت النفس مجرى التفكير فنزلت القبر فأحس الرجل بأن شيئاً أبيضاً خرج من صدره ونزل إلى القبر. وتابعت النفس سريانها فوصلت للآخرة كل هذا بلمح البصر وانقلب الحال النفسي إلى مسرات ونعيم وسرور.
5- وتسأل: [كيف تخرج النفس وهل يحس بها الإنسان].
الجواب: إذا النفس صاحبت النفوس الناجحة أو نفس رسول الله سيدهم، فهو يشعر بنفسه أنه انتقل انتقالاً مفاجئاً ولكنه لا يعرف الكيفية، أي أنه كان بعالم وانتقل لعالم آخر وصار بعالم أسمى وأحلى عالم نورانيٍّ بهي ملؤه السعادة والمسرات كما انتقل السحرة مع سيدنا موسى فقالوا (..إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ)سورة الأعراف: الآية (125): حدث لهم انقلابٌ كلٌّي جذريٌّ حيث انقلبت النفس من محاطة وهي سجينة بالصدر إلى محيطة والجسم يغدو فيها، انقلبت من عالم الدنيا إلى عالم آخر عالم الجنات فبمعية الرسول ﷺ تعرج نفسك بلطف ودون شعور منك وتدخل على الحضرة الإلۤهية ولا يشعر المؤمن بنفسه إلا وهو بهذه الحالة العالية ولا يعرف الكيفية، وهو بالحقيقة ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بمعية السيد الأعظم رسول الله ﷺ.
6- وتسأل: [هل تتولد له عين جديدة وكيف يرى بنور الله].
الجواب: الضرير إذا فَتَّحَ فلم يكن له عين يرى بها وقد أصبحت له عين يرى بها. معناها أنه قد تولدت له عين الآن. يقول الله تعالى عن النفس (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ) سورة الغاشية: الآية (12). أي أنها عين فَتَّحَتْ، وسرَتْ وطارت وسمت وعلت، نعم إنها النفس التي تشاهد كانت عمياء وفتحت، فأصبحت لها مولد نور جديد والحقيقة أنه ما كان لهذه النفس قبلها نور فهي فقدت النور منذ الأزل، ولكن حين طلبت ربها بإيمانها فإن السراج المنير رسول الله يمدُّها بنوره الموصل لنور الله، فبهذه الطريقة تنال النور الباقي الدائمي حينما تطلب الإيمان بصدق لتتيقن، والذين هم بلقاء ربهم مؤمنون والآية تقول (..وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ..) سورة التغابن: الآية (11). إذاً فمن يطلب الإيمان كما طلبه سيدنا إبراهيم بصدق عندها يأتي دور السراج المنير فيمده بنوره الموصل لنور الله فيجعل الإيمان مشهوداً.
7- وتسأل: [كيف يرى خير الأمور من شرها؟! هل يصبح لديه فراسة بمعرفة الشيء أم أنه يرى كما يرى بعين الرأس].
الجواب: إنه يرى خير الأمور من شرها رؤى يقينية أشد وضوحاً مما يراه بعين الرأس، هذا قد فتَّحَتْ عين بصيرته وسطع على قلبه نورٌ أشد سطوعاً من الأنوار المادية، فيرى الحقائق ويعاينها فلا تغره المظاهر الجميلة والشهوات الخداعة الزائفة فيرى السمَّ من الدسم ويميِّز الحية من السمكة، ولا تختلط عليه الأمور يرى رؤى حقيقية بواسطة السراج المنير ﷺ.
استمع مباشرة:











