تأويل القرآن العظيم

تأويل سورة الماعون

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

المكذّب بالدين: امرؤٌ معرض عن الخالق منبع الكمالات ومنار ينابيع الهدايات وموئل الخيرات، من أشاح عنه تعالى فقد أشاح عن الجنّات، وأضاع المكرمات وبالأمراض النفسيّة باء فتحوّل لدنياه الدنيّة إثر حرمانه لنفسه من الرحمة والإنسانيّة وبذا فقد فتح وعاء نفسه وسقاءها إلى الدناءة والانحطاط، فانصبّ فيها الجفاء والقسوة وعدم الوفاء، وكان البخل والجبن إلفه وأليفه، والكذب والخيانة حليفه وكان نبراساً للدنيء من الأخلاق.
ترى وأرى في تضاعيف هذا الكتاب القيّم الثمين أنّ صفتيه من دعِّ اليتيم وعدم الحضِّ على طعام، كاشفٌ من الكواشف التي تُظهر حقيقة هذا الإنسان المحروم من كلِّ عطفٍ وحنان، فاحذره أكثر ممّا تحذر الكاسر من الوحوش والضاري من الحيوان، فهو الوحش المعب المختبئ في جلد إنسان، بل هو أشر من كلّ مخلوق وأخطر من كلِّ حيوان، وسبب ذلك كلّه عدم سلوكه عمليّاً طريق الإيمان.
فاحذر على نفسك وأشفق من الحرمان وسوء المصير واسمُ بالإيمان الحقّ إلى المقام العالي الرفيع، مقام الأُنس بالله وبك تأنس الخلائق غبطةً أبدية بالجنان.
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت الآية (6)


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل سورة الماعون

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل سورة الماعون

  • مقدمة المحقق
  • تأويل سورة الماعون

  • عنوان الكتاب: تأويل سورة الماعون
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 2.92 MB
  2. ePUB: 0.20 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال الله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21]. وفي الآية الأخرى: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [آل عمران: 133]. 1- إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض فأين تكون النار في هذا الكون الذي ليس فيه إلا السماوات والأرض؟ 2- بما أن الأرض على شكل دائري والمعلوم أن الدائرة ليس لها عرض ولا طول فما المقصود في كلمة عرضها في الآيتين؟ جزاكم الله خير الجزاء.


1- تسألنا: إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فأين تكون النار في هذا الكون الذي ليس فيه إلا السماوات والأرض؟ الجواب: يا أخي لقد ضيقت واسعاً هذا الذي تتحدث عنه من السموات والأرض المادية، من ملكوت الله، وهي ذرَّة في بحر ملك الله. أنت تتكلم عن الدنيا، وتظن أنها الآخرة، والدنيا كما قلنا لا تُذكر أبداً، أرضها وسماؤها ذرّة في عوالم الآخرة، أي: الجنات. أتدري يا أخي ما هو عرض السموات والأرض. كما أن عطاءات وخيرات ربِّ العالمين تأتي إلينا وتغمرنا بكلِّ ما نطلبه ولا تنقطع على الأجيال من لذائذ ومأكولات ومشروبات ومشهودات مادية وروائع في الصنع وآيات في جمال الطبيعة، وما ينتج عنها من ثمرات وحليب ومشتقاتها ومن بنين وبنات ومن كل ما تستحليه العين وتلذُّ به النفس. وهذه العطاءات أيضاً دائمية في الآخرة، ولكن بمقاييس كبرى وأحجام عظمى، لا تكاد تذكر هذه العطاءات المادية الثمينة تجاهها إلا قليلاً. ومن كلمة (عرض) تشتق كلمة مَعرَض، والمعرض يعرضون فيه كل جديد وكل حديث وكل المتطورات والتحسينات، فهذه السموات والأرض كما هي معروضة عليك وتُمنحها وتأخذها. كذلك الجنة معروضة عليك، تُمنحها عن طريق عين النفس، ومن لا صلاة له بالله فهو أعمى القلب بالآخرة، هذا هو المحروم، وقانا الله من ذلك وإياكم. فهذه المعروضات كلها للإنسان نتاجها، وكذلك هذا الأمر يستمر بالآخرة. 2- وتسألنا: بما أن الأرض على شكل دائري، والمعلوم أن الدائرة ليس لها عرض ولا طول، فما المقصود في كلمة عرضها في الآيتين؟ الجواب: يا أخي إنَّ الأرض إهليلجية وليست كما أنت تتصورها دائرية، لأن هذه كلها زائلة، كلها تفنى وتذهب ولا تعود. فهنا كلمة (السموات) كل ما علاك هو سماك، تعني كل مكان فوقك، والأرض كل ما هو تحتك، وكلما ازدادت السماء توسّعاً على رسول الله بإقباله العالي على الله، وعلى رسله الكرام والأنبياء العظام والأتقياء والمؤمنون، فتتوسع بعطاء الله المتجدد المتعالي. فعرض السماء لا عرض لها دائماً بتوسع، وكذلك هناك دونك هبوطاً في عوالم يمدّهم الله أيضاً، ولا حدَّ لهذا الهبوط باستمرار أبداً، دائماً هناك يوجد حركة استمرارية نحو الأعلى ونحو الأسفل، كذلك الجنات في توسع دائم، عرضها كعرض السموات، دائماً تتوسع من جنة إلى جنة أعلى، من حالة إلى حالة أرقى، فالرقي متمادي لأهل الرقي، والهبوط متمادي، ولا نهاية لهذا السمو ولهذا الهبوط، أي: أن الجنة بتوسع دائم لا توقف فيه أبداً والله واسع لا نهاية له، وكذلك عطاءاته متوسعة لا حدَّ لها.

ما وظيفة الكلب الذي مع أصحاب الكهف الذين وردت قصتهم في القرآن الكريم؟


الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
الحراسة، وأبقاه الله معهم إكراماً لهم لأنهم طلبوه تعالى فوجدوه، فحفظ لهم كلبهم عندهم يحرسهم وهم نائمون.

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
13- {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ..}: سيدنا لقمان يرشد ابنه طالب التقوى. {..يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ..}: لا تشرك بأوامره سبحانه أحداً. غير كلام الله لا تتبع وتسمع، فلا طاعة لمخلوق مع الله، الإنسان مهما علا إن لم يسر على كتاب الله لابدَّ وأن يُخطئ.
{..إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}: إن أشركت أحداً معه سبحانه بأوامره عليك هذا هو الشرك. (لَظُلْمٌ عَظِيمٌ): بالأذى والضرر والشقاء. الشرك: أن يتبع الإنسان دلالة غير دلالة الله وهذا الشرك نتائجه كبيرة في أذاها على النفس وبهذا يظلم الإنسان نفسه.

14- {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ..}: وصَّيناه بوجوب معاملتهما بالإحسان والرحمة. {..حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ..}: وهذه المدة كافية للطفل ثم بعدها يستطيع المولود الاعتماد على المأكولات الأخرى. {..أَنِ اشْكُرْ لِي..}: على هذا الفضل، الشكر: من عرف نعمة الله بالإيمان هذا يشكر ويعمل صالحاً. {..وَلِوَالِدَيْكَ..}: رد إليهم المعروف كما بدؤوك به، لا تضجر منهم.
{..إِلَيَّ الْمَصِيرُ}: المرجع إليه سبحانه ولك أيها الإنسان على معاملتهما الأجر العظيم من ربك.

15- {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا..}: الطاعة لله وحده غير كلام الله لا تسمع ولا تطيع أيها الإنسان ولو كانا أبويك. {..وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً..}: لكن عاملهما بالإحسان لعلهم بهذه المعاملة الحسنة يميلوا للحق وبالمحبة لك، وبهذا تجرُّ قلبهما للإيمان.
{..وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ..}: هذا اسمع كلامه وأطعه. لا تسمع إلا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عن الله سبحانه. {..ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ..}: يوم القيامة. {..فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: سيكشف الله لكم أعمالكم وسترون ما قدَّمتم لأنفسكم وستُجزون عليها الجنات.

16- {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ..}: الحديث عن العمل الصالح، والآية تقول: أيها الإنسان إن زرعت ازرع جميلاً. {..فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ..}: أبوك أمك ولو كان قلبهما قاسياً كالصخر أنت اعمل كل جهدك ليؤمنوا بالله فلعلهم بلفتة منهم إليك يصلحهما الله، أي ازرع ولو في صخرة والله لا يضيع لك عملك.
{..أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ..}: وإن كانا أبويك عاليين بالإيمان بتوجُّه نفسك لهما تستفيد وتحصل لك الرابطة والمحبة حتى ولو كانت غير شعورية.
{..أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ..}: كافر وعاملَ والديه بالإحسان، الله لا يضيِّع له هذا العمل يعطيه الله أجره بالدنيا من صحة ومال وجاه. {..إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ..}: نوره سارٍ بك بدون شعور منك، ومشاهد سبحانه لك ولعملك ولا يضيِّع لك شيئاً. {..خَبِيرٌ}: بعباده سبحانه وما يناسبهم.

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بداية أشكركم لأخذي من وقتكم الكريم للإجابة على سؤالي:
إن فرعون وبناءً على رؤية بدأ بقتل أبناء بني إسرائيل.
والسؤال الأول: ما هو الدليل القرآني لهذه الرؤية؟
والسؤال الثاني: أطفال بني إسرائيل له غاية بقتلهم كما أعلم خوفاً على ملكه ولكن استحياء نسائهم ما هي غاية فرعون بذلك؟


1- قال الله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} سورة القصص: الآية (6).
فما هو الوازع والداعي لخوف وحذر فرعون من بني إسرائيل هؤلاء المستضعفون في الأرض الذين لا حول لهم ولا قوة ولا كيان؟! فما هو الداعي لخوف فرعون منهم لولا هذه الرؤيا التي رآها في منامه من أن ملكه سيزول على يد رجل سيولد من بني إسرائيل؟! وفي الحقيقة هذه رحمة الله بفرعون أن أراه هذه الرؤيا، لعله يرجع عن غيّه وظلمه وعتوّه في الأرض، وإنذارٌ له لعله يتدارك أمره كما حصل لسابقه وأحد أجداده الفراعنة، وهو الملك بزمن سيدنا يوسف عليه السلام: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ، قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} سورة يوسف: الآية (43-44).
فهذه الأحلام هي أحد الأساليب التي ينذر الله بها عباده وقد نجحت في زمن الملك الذي كان مع سيدنا يوسف واتعظ بها. بيْدَ أن فرعون طغى وبغى وازداد في ظلمه وعدوانه بدلاً من أن يتعظ ويعتبر بهذه الرؤيا، بل ظنَّ أنه يستطيع بقوته أن يدفع ذلك الخطر اللاحق به فراح يذبّح كل مولود ذكر لبني إسرائيل {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} سورة القصص: الآية (4).
فما مراد فرعون وغايته من ذبح الأطفال لولا ذعره وفزعه من هذا المنام الذي أقضّ مضجعه، وما الدافع من ذبح الأطفال الذكور فقط دون الإناث لولا حذره وذعره من ذاك الرجل الذي رآه في نومه والذي سيظهر من بني إسرائيل، فراح يعاديه دون مبررٍ ومن غير سببٍ ظاهر كما ورد في القرآن: {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا..}؟ هذا ظنهم واعتقادهم على حسب الرؤيا التي رآها فرعون {..إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} بهذا الادعاء، فلم هذا العداء؟!
وقال تعالى في سورة طه الآية (39): {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ..}. فلم يعادي طفلاً رضيعاً من غير مبررٍ منطقيٍّ ولا سببٍ مقنعٍ؟! لولا هذه الرؤيا التي راح بسببها يقتل كل مولودٍ ذكرٍ حصراً من بني إسرائيل دونما رحمةٍ أو شفقةٍ.
هذا ولم يعلم أن يد الله هي الحاكمة فوق كل حاكم ولا مردّ لحكمه.
فسيدنا موسى وكما هو معروف كان متبنى الملك فرعون، وفي الحكم الطبيعي لو أنه فعل ما فعل وقتل ما قتل فذنبه مغفور لأنه الولد الوحيد للملك العالمي فهل من المعقول من أجل فرد واحد من الشعب أصبح ملاحقاً طريداً وصار محكوماً بالإعدام {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} سورة القصص: الآية (20).
إلا أن يكون هنالك سرٌّ يكمن وراء ذلك، إذ برده العملي على الظلم والجور ورفضه السكوت للمنكر أن يصول ويجول استبان أمره لفرعون وظهر الغريم، وانكشف صاحب المنام الذي أقضّ مضجع فرعون وعكر عليه صفوة حياته.
2- خاف فرعون من أطفال بني إسرائيل ومن أن يظهر بينهم ذلك الرجل الذي سيطيح بعرشه وملكه كما رأى في منامه، عندها راح يقتّل ويذبّح ولم يكتفِ بذلك بل وأباح لجنوده وأعوانه استحياء نساء بني إسرائيل هذا لكي لا ينجبوا أطفالاً يعود نسبهم للإسرائيليين وبذلك يضيع النسب وتختلط الأعراق ويكون نسب الأطفال للأقباط وجنود فرعون فلا يظهر فيهم ذلك الرجل الذي رآه في منامه والذي يهدد بدمار بلاده.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أرجو الإجابة على السؤال التالي ولكم جزيل الشكر:
لماذا تكررت كلمة الناس بسورة الناس ثلاث مرات بالثلاث آيات الأولى؟
أرجو التوسع إن أمكن شاكرين حرصكم واهتمامكم.


سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المنبع الذي استقى منه هذه العلوم والمكرمات جميعها، فقال له تعالى:
قل لهم {..أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أي: دلّهم عن المنبع الذي استقيت منه ذلك، وقل لهم آمنت واعتززت أنا برب الناس بالخالق، وغيري استعاذ بالمخلوق، فهل يعطي المخلوق كما يعطي الخالق؟! آمنت به فأعطاني ما أعطاني، وأنتم آمنوا به لكي يعطيكم كما أعطاني.
هذا سبب ذكر (الناس) لأول مرة.
لكنَّهم قالوا له هذا الرب غير عادل، أي: ظالم، لأن هناك تمايز وظلم بين المخلوقات، أي: بين غني وفقير، ومريض وصحيح، فقال له تعالى:
قل لهم، أي: بيِّن لهم أنه تعالى: {مَلِكِ النَّاسِ}: فلا ظلم ولا هضم في ملكه، وكل ما يجري هو خير بخير، لمن أعزّه ولمن أذلّه، ولمن أعطاه ولمن منعه، بيده نواصيهم، فلا يستطيع أحد أن يظلم أحداً.
قالوا: طالما أنه ملكهم، فلِمَ لا يُدخلهم الجنة جميعاً. فأجابهم: بأنه منحهم حرية الاختيار لينالوا بدل الجنة جنات بناءً على طلبهم، وعاهدوه على السير بنوره، ولكنهم خالفوا العهد فوقعوا فيما وقعوا فيه، فاقتضى علاجهم لإعادتهم إلى جناتهم، إذ ملَّكهم حرية التصرف والاختيار فخالفوا العهد ووقعوا، وإذا كان أب وعنده ابن وقد وقع ألا يسعفه؟ هل يتركه ويتخلى عنه؟! كلا يا أخي، ولو أنك اطلعت على مقدمة كتاب عصمة الأنبياء تجد الجواب واضحاً:
الله لم يخلقنا إلا للسعادة وللجنات لو وفّينا بما عاهدنا عليه، وحينما خالفنا العهد وخنَّا الأمانة وحلت بنا الآفات بعث لنا الشدائد، ليشدنا للرجوع عن طريق الغي، ولننال ما أعدّه الله لنا من خيرات وجنات، فإذا عدنا إليه بهذه الشدائد والتجأنا إليه واستنرنا ورأينا خيرنا من شرنا واخترنا هذه الخيرات، لن ننال إلا المكاسب والنعيم المقيم والرقي.
وطالما نحن تعهدنا، وهو {إلۤه الناس}، أي: صاحب الحول والقوة من نؤول إليه، منحنا الاختيار ونحن لنا الوفاء باختيارنا أو عدم الوفاء، ولا نخلص من هذه الشدائد إلا بالتجائنا إليه لنستنير بنوره، عندها نكون قد نجحنا بحمل الأمانة.
هذا جواب السؤال بشكل موجز، ولك التفصيل والإيضاح كما طلبت، فنقول:
تعجب وأعجب ويعجب الناس في كل مكان، وقديماً تعجبت قريش ومن جاورها من الأقوام ومن تلاها من الأمم والشعوب والأجيال: من أين جاء هذا الرجل المدعو (محمد) عليه أفضل الصلاة وأسنى السلام بما جاء به من المعجزات الفردية الكبرى؟! يفوق بشجاعته الصناديد والأبطال، ويبذُّ برأيه الثاقب وحسن تدبّره الأمور أعظم الساسة وأكبر الحكماء.
من أين جاء هذا الرجل العظيم بهذه الحكمة البالغة، والقلب الثابت، والشجاعة الرائعة، والجأش الرابط، والكمال الذي لا يدانيه فيه مدان ولا يدرك شأوه إنسان؟! ومن أين جاء بكلام تعجز البشرية عن الإتيان بجملة واحدة من جمله؟! هو شخص وهم أشخاص! فكيف أتى بما يعجزون جميعاً عن الإتيان بشيء منه؟! وهو الذي نشأ في أرض مقفرة لا أثر فيها لمعهد من معاهد العلم، وفي جو لا مدارس فيه ولا علماء.
فتسأل وأسأل ويسأل الناس في كل زمان: ما هو المنهل الذي استقى منه هذا الإنسان العظيم جميع تلك المكرمات، وذلك العلم الغزير الذي لا ينضب والذي تتضاءل أمامه جميع علوم البشر.
هنالك أمره تعالى بإجابتهم عن حيرتهم وسؤالهم بقوله الكريم:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}: أي: دلَّهم وبيِّن لهم ليبطل عجبهم، فأنت اعتززت بالخالق وآمنت به واعتصمت به، فأعطاك ما أعطاك وعلَّمك ما علَّمك. بيِّن لهم عن المصدر العالي والمنهل السامي الذي استقت منه نفسك الشريفة ما استقت، فنلت من المكرمات فوق وأعظم ما ناله مخلوق على وجه الأرض.
قل لهم: إنَّ غيري اعتزَّ بالمخلوق، واعتززتُ بالخالق، فهل يُقارن عطاء الخالق بعطاء المخلوق؟! اعتصمَ بمن لا يملك شيئاً إلا ما يُمَلِّكُهُ الله، واعتصمتُ والتجأتُ بمن بيده مقاليد السموات العلى والأرض، الذي منحكم الأبصار والأسماع والأدمغة والأفئدة، فالتفتوا ببصائركم وقلوبكم ونفوسكم إليه يعطيكم كما يعطيني، وبهذا الكون وبأنفسكم إن فكَّرتم ودققتم وصدقتم بطلب الهدى هداكم إلى الممد وإلى رب الناس.
فسألوه: إنَّ رب الناس غير عادل، فلطالما أنه يمدُّ جميع الناس، فلِمَ هذا التفاوت والاختلاف؟ فهو يخلق القوي والضعيف، والغني والفقير، والصحيح والعليل، وأناس تنعم بالقصور وآخرون يقطنون بأشباه القبور، وأمم قوية متسلطة حاكمة وشعوب ضعيفة محكومة، يتضورون جوعاً لا يجدون مضغة يلوكونها ولا جرعة يشربونها سوى القليل النذر، وشعوب ظالمة يتقلَّبون بلذيذ المعاش وينعمون بالحلو من الحياة والرخاء على حساب شقاء وآلام وجوع الآخرين من يسلبونهم لقمة عيشهم. فلِمَ هذا الظلم وهذا التفاوت في الطبقات، وهذا التباين والاختلاف بين ظالمٍ ومظلومٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ، وسيدٍ مستبد وعبدٍ رقيق؟ طالما رب الناس فلِمَ لا يُمدهم بالعدل والقسط إمداداً واحداً ليتحقق التساوي والعدل؟! وإلا فهو غير عادل وظالم.
وللجواب على اعتراضهم قال تعالى لرسوله:
بيِّن لهم ودلَّهم أنَّ الله عزَّ وجلّ في الأصل عندما خلق الأنفس في عالم الأزل، وعندما كان الناس جميعاً نفوساً مجرَّدة فكانوا سواسيّة، فلا ملك ولا عبد ولا سيّد ولا رقيق، بل كلهم يستمدّون إمداداً واحداً، وهكذا فكانوا على سويّة واحدة كأسنان المشط، ولكنَّهم هم الذي غيَّروا فوقعوا وخالفوا العهد فنكسوا ومرضوا نفسياً، فلزم الدواء المر والعلاج الجسدي لهم ليشفوا نفسياً، فكان هذا التمايز الذي يرونه، ولكنَّ مصدره ليس من الله بل لله العدل المطلق، إنما منشأه من لدن هذا الإنسان ذاته عندما خالف وغيّر، أما الله فهو: {مَلِكِ النَّاسِ}، ولا ظلم ولا هضم في ملكه أبداً، بيده نواصيهم فلا يستطيع القوي أن يعتدي على الضعيف، إلا إن سبق واعتدى الضعيف على الأضعف منه، عندها يُطلق الله القوي عليه ليذوق طعم ظلمه فيرتدع ويكفّ عن عدوانه على من هو أضعف منه، كذا هناك غني وفقير ومترف ومعوز ولكنها دروس وعبر، إذ يعطي كلاً بحسب ما يناسبه ويلائمه، وكذا السعادة ملكه تعالى وبيده. فالمادة لا تجلب السعادة، وخذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدره همّاً، كم جلبت الدنيا لأصحابها من بليّات ومخزيات (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً).
فقالوا: طالما أن الله ملك الناس بيده مقاليدهم، فلِمَ لا يُدخلهم جميعاً إلى الجنات؟ ولِمَ النار والعذاب وهو الرحمن الرحيم؟ فقال تعالى: قل لهم {إِلۤهِ النَّاسِ}: إذ منحهم الإطلاق وحرية التصرف والاختيار، ومنحهم الجنات اختياراً ولم يجبرهم إجباراً، وقد طلبوا التكليف والتشريف على سائر الخلائق والكائنات، بدخولهم إلى مدرسة الدنيا، فيعملون الصالحات وينالون بها الجنات، فلهم الاختيار والله كريم بيده التنفيذ والحول والقوة، وهذه الحياة الدنيا مدرسة، المجتهد فيها للحق والخير والصالح من الأعمال ينال، فتسييرهم بحسب صدقهم أو عكسه عائدٌ للإلۤه الذي يؤول إليه تنفيذ طلباتهم ولهم أو عليهم خيرها أو مسؤوليتها، فاختر طريق الحق تنل كل الخيرات، فعليك مسؤولية الاختيار وعلى الله التسيير والتنفيذ.
{إِلَهِ النَّاسِ}: يؤول إليه تعالى تسييرهم بحسب اختيارهم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى