تأويل القرآن العظيم

تأويل سورة الفيل

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

بيان يتلوه بيان، ونصح وإرشاد يتلوه تحذير و وعيد... هذا لمن ابتعد وعن الحقّ حاد، وبشارة وترغيب يتلوه تحبيب وتمجيد، وهذا لمن سلك طريق الهداية الذي سنّته الرسل الكرام لأقوامها على مرّ العصور والأجيال.
هذا البيان الذي أجراه الله على قلب السيّد محمّد أمين شيخو "قدّس الله سرّه" بالنور بمعيّة وشفاعة سيّد الرسل الكرام سيّدنا محمّد ﷺ، وقد أفاض علينا بهذه المعاني العالية بدروسه أيّام الجُمَع مكلّلة بالنور والسعادة والحبور، تحمل الحقيقة من الله سبحانه وتعالى في طيّاتها، ألقاها على مسامع مريديه، ينقلون هذا العلم الذي آتاه الله إيّاه ولايكتمونه عملاً بقول رسول الله ﷺ وإرشاده


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل سورة الفيل

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل سورة الفيل

  • مقدمة المحقق
  • تأويل سورة الفيل

  • عنوان الكتاب: تأويل سورة الفيل
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 2 MB
  2. ePUB: 0.25 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الجاثية: 28-30]. يرجى التكرم بشرح الآية السابقة، مع توضيح النقاط الآتية: 1- لماذا كرّر تعالى كلمة: (كل أمة) في آية: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى..}؟ 2- إذا كانت كلمة (جاثية) الواردة في الآية السابقة تدل على حال الذل والإهانة الذي يتلبس أهل الكفر والنار يوم القيامة، وهذا ما بينه تعالى في سورة مريم (68): {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} فكيف وردت آية {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..} التي تتحدث عن المؤمنين بعد آية: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً..}، وهذا يعني أن أمة المؤمنين أيضاً جاثية!! أرجو التوضيح.


جاثية: جاثية على ركبها، هذا حال النفس المجرمة. أما عن المؤمنين يا أخي الكريم فلهم الإكرام في جنات النعيم، فلن يجعل تعالى العصاة كالطائعين المسلمين ولا أحد من البشر يجعل المتمرِّدين كالطائعين ولا المجرمين كالمتقين {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 39-42]. وذلك منذ لحظة فراقهم الدنيا.

وسقر: المقرّ الذي يعود عليهم بالسوء، أي: جاثين في قبورهم بنفوسهم تحت التراب، والمؤمنين طائرين محلِّقين في الجنات، ولا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون، شتان بين هؤلاء وأولئك، فالمؤمنون في علّيين وأولئك في جهنم جاثمين على الأرض بلا سمو ولا رقي، في عمى البصيرة بعوالم الحقائق.

فكيف يا أخي دمجت المؤمنين مع غيرهم من العاصين! والآيات ليس فيها أي دمج، لأن الله ابتدأ آيات المؤمنين: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا..}، وهنا الفاء تُسمى باللغة (الاستئنافية)، أي: انتهى البحث السابق وابتدأ الحديث عن المؤمنين ولا دمج بينهم وبين المعرضين أبداً.

ونعود إلى السؤال الأول: لماذا تكررت كلمة (كل أمة) في آية: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى..}؟ نقول: هذا التكرار لابدَّ منه لإتمام المعنى، حيث قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً..}: أي جاثية على ركبها، هذا حال النفس المجرمة متلبّسة بالذّل والخنوع، ما سبب ذلك؟ ولماذا جثت تلك الأمم المعرضة؟ لأنها تدعى إلى كتابها: {..كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا..}: ما كتب عليها من إجرامات. هذا الكتاب فيه جميع أعمالهم الإجرامية والمكر والخداع والخيانة وعدم الأمانة، هذه الأعمال عندما يراها أصحابها ويرون تفريطهم في جنب الله وكيف قابلوا الإحسان بالإساءة، وقتئذٍ يلبسهم حال الذلّ والخنوع ويرهقهم العار والإهانة المنبعثة من ذات نفوسهم، لذا كل أمةٍ لها أعمالها الخاصة بها التي سبَّبت لها هذا الحال الجهنمي ولكل أمة علل وأمراض ولكل أمة علاجات مناسبة لها تختلف عن الأخرى فليسوا سواء في الدرجة الجهنمية في الأعمال.

يقول تعالى: {... وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } (سورة الحاقة، الآية 17) فما معنى هذه الآية الكريمة؟ وما معنى أن يحمل العرش ثمانية؟


هؤلاء السادة الأنبياء والرسل الذين سمت نفوسهم بإقبالهم على ربهم سمواً عالياً متشاهقاً، فاشتقوا منه تعالى حناناً ورحمة، فاضوا بها على الخلق كافة فعندما رأوا إخوانهم في الإنسانية في الظلام سادرون وعن الرحمن منقطعون، غلت مراجل الرحمة الإلۤهية في نفوسهم وطلبوا إنقاذ إخوانهم والأخذ بأيديهم ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، وهذا ما يحبه الله ويرضاه، فجعلهم عز وجل مهبط أنواره ومنزل تجلياته الرحمانية وأعطاهم الأداة لتحقيق طلبهم العالي وهي الصحف الأربعة والكتب السماوية الأربعة وفي الآخرة يوم تزول السماء ولا يبقى لها ذلك التماسك والقوة بل ولا أثر لها.

تكون العطاءات الإلۤهية على قلوب الرسل الكرام وصولاً إلى المؤمنين الأتقياء فالأمثل فالأمثل ولكن هناك ثمانية كان لهم قصب السبق في مضمار الإقبال فكانوا حملة العرش وهو ذلك التجلي الإلۤهي من الرحمة والحنان والعطف والودِّ الإلۤهي. وهم:

1- سيدنا وأبونا آدم عليه الصلاة والسلام ومن بعد ذلك:
2- سيدنا شيث عليه السلام كذلك كان من حملة الصحف لأن البشرية في ذلك الزمان بدأت تكثر، وتكثر معها القضايا والأوامر والنواهي بما يلزم زمنهم كذلك:
3- سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام من أصحاب الصحف.
4- سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء كذلك كان من أصحاب الصحف.
5- سيدنا موسى عليه السلام صاحب التوراة.
6- سيدنا داوود عليه السلام صاحب الزبور.
7- سيدنا عيسى عليه السلام صاحب الإنجيل.
8- سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام صاحب القرآن الكريم.

كل رسول يأتي ببيان يناسب قومه وعللهم وليحلَّ لهم مشاكلهم ويمهِّد لهم العقبات المعترضة طريقهم وكلما تقدم الزمان تظهر علل جديدة ما كانت لتحدث من قبل، لذا لا يتكلم عنها رب العالمين لكيلا ينبه الناس عليها ولكن عندما تظهر يأتي رسول آخر برسالة جديدة من ربه تشمل الرسالة القديمة وفيها حلٌّ لما هو مستحدث جديد حتى جاء القرآن العظيم آخر الكتب السماوية ومهيمن عليها إلى يوم القيامة.

والناس جميعاً مأمورون بإتباع هذه الصحف الأربعة والكتب الأربعة كلٌّ بزمانه وبالآخرة يكون العطاء الإلۤهي عن طريق الرسل الثمانية عليهم الصلاة والسلام كل رسولٍ لأهل زمانه وللناس الذين ساروا بصحفه أو كتابه.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
أرجو أن تتكرموا بشرح الأحكام الواردة في هذه الآيات بشكل دقيق مفصل، لأني قرأت الكثير من التناقضات في فهمها.


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..}: اتبعوا أيها المؤمنون هذه الأوامر وأطيعوا، كي يحصل النصر والظفر.
{..الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..}: الجواري الأسرى اللواتي يخدمنكم. والعبيد الذين أخذتهم لتدلهم على الله هم وأولادهم ليستأذنوا عند الدخول عليكم غرفكم.
{..وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ..}: أولادكم، لم يصل لمرتبة الرجال.
{..ثَلَاثَ مَرَّاتٍ..}: إذا أراد الدخول يستأذن علِّموهم ذلك الاستئذان.
{..مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ..}: علَّه يكون بينكم شيء خاص بكم.
{..لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ..}: بعد هذه المرات، في هذه الأوقات الثلاثة هؤلاء ليستأذنوكم، بعد هذه المرات بعدها يستطيع الدخول دون إذن.
{..طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ..}: يدخلون بلا إذن.
{..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: هذا فيه حكمة، كل أمر من أوامره، ما ينتج عنه من خير.
{..الْآيَاتِ}: الدالة على منتهى الخير لكم والمعاملة الحسنة وإنشاء جيل فاضل.
{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ..}: صار رجلاً. {..فَلْيَسْتَأْذِنُوا..}: أيضاً، عليهم أن يستأذنوا.
{..كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ..}. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا..}: هكذا يفعل، لعل أمك عندها ضيوف.
{..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: ولا يحب أحد أن يرى أمه في حالة تكشف عورتها، مفاجأة، بل بالإذن تكون مستورة.
{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء..}: المسنات، العمياء أو العاجزة أو المريضة.
{..اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً..}: مقطوع الأمل من زواجهن.
{..فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ..}: وردت هنا الآية في صيغة الاستفهام الاستنكاري. أي أليس عليهن جناح وهل هذا الزعم الذي يزعمونه صحيح؟ وكما يقولون؟ أن هذه مسنة لا أحد ينظر إليها فليس عليها جناح. هل هذا الكلام صحيح؟!
هذا غير صحيح، فهذه المسنة هي قدوة لبناتها وأحفادها الفتيات، فإن رأينها غير محجبة ينهجن نهجها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كل إنسان ينظر إلى من هي بعمره فالشَّاب ينظر إلى الشابات وكذلك المسن إلى المسنة.
فالآية تقول: أليس عليها جناح؟ فهذا الزعم الذي يزعمونه غير صحيح.
{..وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ..}: يجب عليها أن تتستر. هذا لا يجوز ولو أنها مسنة يجب أن تطبق ما أمرها الله من الحجاب الكامل الساتر فهذا هو الخير وما دونه شر، فالكبير بالسن إنما يستهوي من هي مسنَّة تفهم عليه.
{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ..}: أليس عليها حرج؟! كما يقولون هل يسمح له بالدخول على النساء دون حجاب، فإذا كان هو لا يرى فالنساء اللواتي دخل عليهن ألا يرينه؟
{..وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ..}: كذلك أليس عليه حرج ألا يشتهي هذا الأعرج إن دخل على النساء ودون حجاب؟! وهذا النقد موجَّه للمجتمعات الجاهلية قبل الإسلام ولمن يريد أن ينهج نهجهم.
{..وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ..}: كذلك؟ كما كانوا يفعلون في الجاهلية، إن كان مريضاً فنفسه ألا تشتهي؟!
{..وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ..}: أيضاً هنا وردت الآية في صيغة الاستفهام الاستنكاري نقداً للمجتمع الجاهلي قبل الإسلام ولمن نهج نهجهم.
أي: هل هذا الذي تفعلونه مباح!، لربما كان الأب أو الأم أحوالهم المادية ضيقة، هل يجوز أن يتثاقل الابن عليهما ويضايقهما؟! أليس عليه جناح إن فعل هذا! ألا يكفي أنهما ربياه؟!
هل جزاء الإحسان المضايقة؟! فهل من يأكل ببيته حراً مرتاحاً كمن يضايق والديه؟
{..أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ..}: كذلك لا يجوز، فلربما كان الأخ يتضايق ويستحي من أخيه، وكذلك لا يجوز أن ترى زوجة أخيك وتختلط معها لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت» فهذا يزرع بين الأخوة الحقد والبغضاء لما يعقبه من فحشاء ومنكر، فيقطع أقدس العلاقات بين الأخ وأخيه.
{..أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ..}: أيضاً هذه أليس عليكم جناح إن دخلتم هذه البيوت بشكل عشوائي ودون إذن صاحبها ودون حجاب بين النساء والرجال؟!
فلربما في هذه البيوت نساء محرمات كابنة عمك أو ابنة خالك أو ابنة خالتك أو ابنة عمتك.
{..أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ..}: يجعلون هذه البيوت كبيوتكم التي تملكون مفاتيحها؟!
هل بيتك كجميع تلك البيوت؟ إذن: لكل بيت حرمته فلا يجوز الدخول على هذه البيوت دون استئذان كما يفعل الناس اليوم بالعشائر والقبائل التي لا تتقيد بشرع أو دين "عروبية" ويحدث الاختلاط، ويقول لك: نحن أهل " أقرباء" فيرى ابنة عمه أو ابنة خاله ومن ثم تقع الفواحش والمحرَّمات التي لا يرضى الله بها، إنَّ هذا كله لا يجوز ولو كانوا أقاربك.
{..أَوْ صَدِيقِكُمْ..}: هل يجوز أن تدخل على بيته أيضاً هكذا حينما لا يكون موجوداً وتشاهد المحرمات، أو دون استئذان ولا نظام أو قانون فتخرج عن طريق الإنسانية والمنطق والدين؟! أليس عليك جناح إن فعلت كل هذا؟ أين قوانين الإنسانية؟!
{..لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً..}: مجتمعين حول مائدة واحدة كلكم معاً نساءً ورجالاً: أي أليس عليكم جناح إن فعلتم ذلك نساءً ورجالاً على مائدة واحدة ودون حجاب؟ إذن بالإسلام للرجال مجال وللنساء مجال، هذا شرع الله.
{..أَوْ أَشْتَاتاً..}: هل جميعاً مثل أشتاتاً، هل هذه مثل الفصل بين النساء والرجال وهل فرض الحجاب كعدمه؟! إذن لكل مجاله.
{..فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً..}: تطيب بها نفسك إذ بسلوكك القانون الذي رسمه الله لك تضمن سلامة نفسك وتتوارد الحياة على قلبك من الله حيث تقف بين يدي ربك بالصلاة غير خجل من عملك ونفسك تكسب ثقة برضاء الله عليها فتقبل عليه تعالى وتتوارد عليها الحياة من الله.
{..مُبَارَكَةً..}: فيها البركة والخير متزايد.
{..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}: تعقلون ما فيهما من الخيرات، هذا العقل يتم بالصلاة، فإن خالف الأوامر تخجل نفسه ولا يصلي، يقف بالصلاة صورة لا حقيقة أما إذا أطاع الله وائتمر بأمره وانتهى بنهيه يقف بالصلاة بوجه أبيض فيصلي حقيقة فيعقل ما في الأوامر من خيرات.
«ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها»
«والدين هو العقل ومن لا عقل له لا دين له»
وهذه سورة النور حتى يحصل لك النور من الله عز وجل إن طبقت ما فيها كما قال الإمام الشافعي حيث شكى لشيخه وكيع:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأعلمــنــي بأن العلم نور     ونــور الله لا يُهــــدى لعاصي

فلابدَّ من سلوك القوانين التي رسمها الله لنا حتى نغدو بالنور القلبي أولو بصيرة، وهذه السورة سورة النور {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا..} سور حافظ للإنسان إذا عمل بها صارت له سوراً حفظته من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة.
{وَفَرَضْنَاهَا..}: على الخلق، فكل من عمل بها دخل ضمن السور وحفظ من الشرور وصار من أهل الجنات.

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً}
ما معنى تعبير المنافقين بكلمة: (إن بيوتنا عورة)؟


وقعت هذه الآية بوقعة الخندق "الأحزاب" وظهر نفاق المنافقين وكذبهم وجبنهم وعدم نصرتهم للحق ونفاقهم.
فالمقصود بكلمة {..إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ..}: أي لا أحد في البيت عند نسائهم يأتيهم بما يحتاجون إليه، ويخشون عليهن من أن يُظلمن أو أن يصل الكفار إلى بيوتهم فيتعرضوا لنسائهم وليس هناك من يذود عنهن ويحفظ شرفهن وعرضهن.
قالوا ذلك كذباً وزوراً، والحقيقة أن هذا عذر واهٍ فبيوتهم كبيوت المؤمنين بالمدينة بأمان والعدو أمامهم، ولا صحة لكلامهم.
وهكذا الغني يعتذر باحتياجه لرأس ماله في مشاريعه، وصاحب الجاه يخشى على منصبه فلا يبذل جاهه، وكل امرئ وله صفة يخالف الحق بها، فهذا معدود من جملة النفاق، وكذلك كل مقصِّر بواجبه إن لم يتقن عمله وصنعته فهو مؤاخذ، أنت جئت لتكون محسناً ومن لا ينفع وينتفع من عمل الصالحات فهو منافق.

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}
الآية واضحة لكن أشكل فهم ما فوق البعوضة ما هو؟
لم أجد تأويل الآية ومن واجبي أوضح الأمر للمسلمين.
ألا تتفق معي يا شيخ أن ما فوق البعوضة هي السماء بما فيها من شمس وقمر ونجوم؟
هذا هو المعنى الصحيح وليس كما ادعى أعداء الله المنافقون أنها حشرة على ظهر البعوضة حشرهم الله في نار جهنم آمين.


أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}.
والمثل هو أن يضع المربِّي أمام الإنسان شيئاً أو أن يذكر له قصة أو حادثاً فيه بيان وعبرة، فإذا أمعن الإنسان التفكير في هذا المثل ودقَّق فيه ورأى ما فيه من عبرة توصَّل إلى ما انطوى عليه هذا المثل من موعظة.
وقد بدأ تعالى هذه الآية الكريمة بكلمة:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً..}: لا يمتنع عن البيان لأنه ضمن الحق، إن كان المثل عن صغيرة أو كبيرة.
{..مَا بَعُوضَةً..}: لما فيها من الخيرات. {..فَمَا فَوْقَهَا..}: أي الحشرات أو الحيوانات من جنس الأحياء مهما صغر لا الجمادات ليبين لك أنه تعالى رحيم بك عطوف عليك. وهو لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، لأنه بهذا المثل إنما يريد سعادتك ونقلك من حال إلى حال.
وقد ذكر تعالى كلمة (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) ليبيِّن لك أن البعوضة وهي تلك الحشرة التي هي أصغر من الذبابة جسماً إنما فيها من الآيات الدالة على الخالق وعلمه وحكمته وعظيم صنعه وقدرته ما يستدعي انتباه المنتبه ويجتذب نظر الناظر.

وتقريباً لهذا المعنى الوارد في الآية الكريمة وزيادة في الإيضاح نضرب المثل الآتي فنقول:
قد يصف الطبيب لرجل دواء على شكل حبوب صغيرة لا يتجاوز حجم الواحدة منها حبة البرغل وتراه لا يستحي أن يصف لمريضه هذا العلاج. نعم إنه لا يستحي بذلك لِما يراه فيه من الفائدة والخير.
والناس تجاه وصفة هذا الطبيب أحد رجلين:
رجل عالم يعرف تركيب هذا الدواء وما فيه من المعالجة الناجعة لعلّة هذا المريض، لذلك تراه يقدِّر الطبيب ويعلم أن هذه الوصفة كلها نفع وخير.
ورجل جاهل ينظر إلى صورة العلاج وحجمه فيستخف به ويقول ما فائدة هذه الحبّة الصغيرة وما تأثيرها في علاج هذا المرض الوبيل، فتراه لا يعبأ بها ولا يلقي لها بالاً وهو بسبب ذلك الاستخفاف يتباعد عن هذا الطبيب ولا يستفيد منه في شيء فتتفاقم به أمراضه وتتراكب عليه علله، فمن حال إلى حال أسوأ ومن رديء إلى أردأ.
إن هذا المثل الذي ضربناه يوضِّح لك هذه الآية التي نحن بصددها أحسن توضيح. فالله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها.

{..فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا..}: حقاً. {..فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ..}: يرى أن هذا الكلام كله حق، كل واحد بحسب إيمانه يفهم، يرون ما فيها. كل إنسان بحسب إيمانه يفهم، الحق لا يُرى إلّا من طريق التربية. فسيدنا إبراهيم وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام وكافة الرسل عن طريق التربية اهتدوا.
فأما الذين آمنوا بلا إلۤه إلّا الله ورأوا أن الكون كله إنما تشرف عليه تلك الإرادة العليا وتصرِّفه تلك اليد العظيمة القديرة. هؤلاء الذين عرفوا جلال الله وخضعت نفوسهم لما شاهدته من عظمة الله تراهم إذا ضرب الله تعالى مثلاً بعوضة فما فوقها رأوا في هذا المثل من الخير وعلموا أنه الحق من ربِّهم.
وعلى هذا فما قيل عن الحشرة التي على ظهر البعوضة كلام مرفوض لا منطق فيه ولا معنى، فالله يضرب المثل بالعين المجردة ولا يطلب منا المجاهر لفهم كلامه الواضح لا سيما المثل الذي ضربه لكل إنسان دبَّ على وجه البسيطة.

{..وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ..}: يضل به بما يسوقه له من بلاء. {..كَثِيراً..}: عن كثير مما في نفسه من الشهوات الكامنة فيها. هذا الذي قال هذا القول ماذا يسوق له تعالى، بلاءً يحوِّله عن كثير من موبقات كان سيقع بها، يضلُّهم ليخرج ما فيهم إذ أنهم أضلُّوا أنفسهم ولهم الاختيار.
إذن: بإنكاره لهذا المثل يقع بشهوة واحدة تشغله، يستغرق بها وبعدها يسلِّط عليه الشدائد والمصائب والفقر و..و.. وبذلك وبهذا العلاج بعدها إن رجع وأناب انمحت من نفسه مئات من الشهوات، فبخروج شهوة واحدة يبعده تعالى عن كثير من الشهوات.
وأما الذين كفروا وانصرفت نفوسهم إلى الدنيا وزينتها معرضة عن الله تراهم بسبب عمي بصائرهم الناشئ عن فسقهم وعدم استنارتهم بنور الله لا يرون ما في ذلك المثل من الخير كما لا يقدِّر المريض الجاهل ما وصفه له الطبيب من علاج فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً.
وهكذا فالمؤمن بلا إلۤه إلا الله يغدو بصيراً مشاهداً يشاهد بنور الله فيستعظم الأمثال التي يضربها الله تعالى ويقدِّر كلامه. والكافر الفاسق أعمى محجوب إذا سمع من آيات الله شيئاً اتَّخذها هزواً، مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع.
{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} سورة فاطر (19-22).

وتوسُّعاً بالإيضاح ولعلَّك تقول:
ما المراد من كلمة {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..} الواردة في الآية الكريمة التي نحن بصددها؟ وما دام الله تعالى رحيماً بعباده ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يضل بهذا المثل كثيراً؟ فنقول:
هذه النقطة الهامة كانت موضع أخذ ورَدْ في قرون مضت، وقد ضلَّ بسبب عدم فهمها أناس كثيرون، وتزندق آخرون.

إذن: بما أن الإنسان بإعراضه عن خالقه تمتلئ نفسه بالخبث والشهوات المنحطة، لذلك تقضي الرحمة الإلۤهية بمعالجة هذا المريض ويكون هذا المثل الذي يضربه الله تعالى وسيلة وواسطة لهذه المعالجة. فهذا المعرض بسماعه المثل يستخف قائلاً:
{..مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً..}؟ ويسوق له قول الإثم هذا بالاستخفاف والاستهزاء بقوله: {..مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً..}: العلاج المناسب من الله تعالى على هذا القول، فينزل الله به مرضاً أو شدة من الشدائد التي فيها ضغط أليم على النفس، ومن الملاحظ أن كل إنسان إذا نزلت به مصيبة أو حاقت به شدة عظيمة أو مرض مؤلم تنكسر نفسه وتراه بهذه المصيبة قد انشغلت نفسه عن كل شيء حتى أنه ليغيب بألمه عن كل شهوة. ذلك ما توحيه لنا كلمة: {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..}: أي: إنه تعالى بهذا المثل وما يعقبه من المعالجة على الاستخفاف وقول الإثم يخفي ويستر عنه كثيراً من الشهوات الكامنة في نفسه، وإن شئت فقل: يضل هذا الكافر عن كثير مما في نفسه من شهوات خبيثة فلا يعود يفكِّر بها ولا يراها.
هذا هو معنى الإضلال من الله في حق الكافر، إنما تتمثَّل لك فيه الرحمة والرأفة الإلۤهية كما يتمثَّل لك الفضل والإحسان الإلۤهي.
فالكافر إذن يضلّه الله ضلالة واحدة ليُخرج من نفسه الخبث وينظِّفها من كثير من الخبائث فلا يُريه ما وراءه: «حُبُّك الشيء يُعمي ويُصمُّ» أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء مسند الإمام أحمد ج 5 ص 194.
{..وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً..}: المؤمن الذي آمن يهديه لكثير من الخيرات. لينال ما تأهَّل له. المؤمن عرف أن السعادة من طريق المربِّي فاهتدى وكسب كثيراً.
المؤمن الذي آمن بالله ينكشف له بذلك النور الإلۤهي الذي أنار نفسه المقبلة على الله ما في هذا المثل من الخير، وبهذه الرؤية يزداد تقديراً لخالقه وحبّاً به، وهذا التقدير والحب يدفعه إلى العمل الصالح الذي يزيد إقباله واستنارته وبذلك يزداد رؤية وهدى ويرتقي من درجة إلى درجة أعلى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى.
وهكذا فهذا المثل الذي يضربه تعالى إنما هو بآن واحد مفيد للطرفين:
فهو تعالى يضل به عن نفس هذا الكافر كثيراً من الشهوات الخبيثة حينما يعالجه عن عمل خبيث سيِّئ فإن تاب ثم أناب إلى الحق واستسلم إليه «والإسلام يجبُّ ما قبله»، نعم إنَّه انشغل عن الشهوات الأخرى بالعقاب الشديد عن ذنب واحد اقترفه ثم رجع للحق بنفسه فمحى ما فيها من شهوات منحطة وستر هذا الإنسان منها فشفاه ومحاها ولن يراها وحسب التفصيل الذي فصَّلناه آنفاً، كما يهدي به المؤمن كثيراً ويرقِّيه من حال إلى حال أعلى، والحمد لله على كل حال.

أما كلمة {..وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}: الخارجين عن طريق الحق، فهي تبيِّن لنا أن الله تعالى لا يحجب عن رؤية ما في المثل من الخير إلا الفاسقين، لأنه تعالى لو أراهم ما في المثل لما استخفوا ولما قالوا كلمة الإثم، ولما ساق الله تعالى لهم ذلك العلاج وبذلك يبقى الخبث كميناً في نفوسهم وتظل أنفسهم بذلك عرضة لازدياد المرض وتفاقم العلل.
فمن خرج عن الحق امتلأت نفسه بالرذيلة يُضله عن واحدة "أي عمَّا وراءها" حتى يقع ليؤدِّبه فلعلَّه يتوب وتطهر نفسه من مئات الأدران.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى