الرئيسية / مقالات ودراسات إسلامية / {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}

قد يحصل الإيمان بعد السماع، ويحصل بعد التفكير. يقول سبحانه وتعالى في سورة الملك: (... لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ...) إمّا سماع وإمّا عقل. ويقول جلّ شأنه في سورة البقرة: (الۤمۤ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) إذا ما فكَّر الإنسان وعقل لا يهتدي، فكِّرْ واعقل. ومع كل هذا البيان الوارد في القرآن الكريم يقول تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} سورة يوسف، الآية 103.

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ}: إن لم يفكِّروا. {وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} إن كل هذا البيان عن الله ورحمته، وأنه هو المسير للكون وبيده كل شيء، ثم لا يؤمن لك أكثر الناس. حيث أنه تعالى جعل للهداية قوانين، وقد جعل الله تعالى لكل شيء في الكون نظاماً، أما جعل للإنسان نظاماً؟ لقد جعل للإنسان ترتيباً عالياً، فكر، بصر، سمع... والكون كله منظم، أول الإنسان نطفة، فمن ربَّاه في رحم أمه؟ ثم ولدتَ، فإذا وصلت لحدٍ معين توقفت عن النماء.

إن نظر المرء وفكَّر بهذا عرف القانون، أما إن لحق الدنيا واستهواها عمي عن الحقائق. بنظرة صحيحة بنفسك تعرف أن لك مربياً، وأن يد المربي هي التي تسيِّر الكون كله، فتقول لا ‏إلٓه ‏إلا الله حقاً، تراه محيطاً بك فتحفظ من الخروج عن الحدود، إذ تراه دوماً معك؛ بهذا تتولد ثقة بنفسك أن الله راضٍ عنك، عندها تصلي، نفسك تحصل لها ثقة بذاتها أن الله راضٍ عنها فتدخل على الله، وتكسب الكمال منه تعالى، فتتبدل الشهوات بالعطف والحنان والإحسان لخلق الله، عندها تقدِّر رسول الله ﷺ، إن صليت بالكعبة اجتمعت به، ودخلت بمعيته على الله، فترى الرحمة والعدل والحنان واللطف الإلٓهي، ويصبح لك نور من الله ترى به الحقائق. "الدنيا ودناءتها، الآخرة وعلوَّها".

على أن التفكير بالتربية لا يكون إلا إذا اجتمعت النفس مع الفكر، ويتمُّ هذا الاجتماع متى خافت النفس من الموت.

والصوم لتحصل الثقة للنفس، وفي الإحرام في الحج يتمُّ خلع الدنيا من النفس بلبس ثياب الموت، وعدم الاغتسال وقص الظفر والحلق والتباعد عن النساء... فالتضييق على النفس لتقبل على الله، عندها وفي النهاية يُقيم الحجَّة على شيطانه بعد أن فتَّح ورأى، ويرجم بالحصيات رمزاً لمعاداته الشيطان، فمن لا يفكِّر ويعقل فلن يهتدي، أنت فكِّر واعقل.

{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}

{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}: ألا تفكِّرون بهذا؟ {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}: هذه ذكرى، رحمة للعالمين أرسله الله، إن فكَّرت، استسلمت، صرت مسلماً.

{وَكَأَيِّنْ مِّنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}

{وَكَأَيِّنْ}: كم وكم يسمع ولا يفكِّر؟ فكِّر حلِّل. {مِّنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا}: لا يفكرون بخلق الله. {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}: كم من آيات يمرون عليها مروراً دون تفكير، وهذا الرجل "الذي لا يفكر" مهما أرشدته فلن يفقه شيئاً.

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ}: بأن الله هو المسير للكون. إن لم يفكِّروا يجعلون مع الله فعالاً آخر، كأن يقول الإنسان لولا فلان لما حصل كذا... {إِلَّا وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}: يجعل فاعلاً مع الله، يقول: فلان أذاني، وفلان ضرَّني، حيث أنه لم يسلك الطريق، السماع عن الأم والأب لا يكفي.

{أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}

{أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ}: بلاء عام، الساعة، الموت؟ أنت هل أمنت على نفسك من الموت؟ من الذي هو آمِن لا يخشى أن تصيبه مصيبة أو يأتيه الموت؟ {أَوْ تَأْتِيَهُمُ}: بآخر الزمان. {السَّاعَةُ بَغْتَةً}: فجأةً. {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: إذ تأتي بغْتة. ولكن هل أنت في أمان من الموت أن يأتيك؟