تأويل القرآن العظيم-المجلد الأول
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الأول
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تنزيل من حضرة الله ورسوله العظيم إلى عباده الصادقين المخلصين وللحقّ على الباطل ناصرين، الذين يبغون وجه الحقّ والحقيقة والدين، ولو عارضت آراء المنحرفين، بل لو أطبق ضدّهم آل الثقلين ... من لا يخشون في الحقّ لومة لائم .. ولا ينزاحون عن طلب اليقين من ربّ اليقين ...
الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ...
ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في آجامها تجم
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
أرجو من سيادتكم التكرم في تأويل الآية /66و67/ من سورة يسۤ وهل هذا الكلام في الآخرة أم في الدنيا وشكراً لكم.
أعوذ بالله من الشطان الرجيم، يقول تعالى في سورة يسۤ. {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (67)}.
بعد ذكر طائفة من الآيات تحذر أهل الضلال المجرمين من ساعة تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بخيانتهم عهدهم مع الله وميثاقه هنالك: قال الذين كفروا لرسول الله: لم هذه الشهوة في نفوسنا ألا وإنّا نقع في الغي مما ليس لنا قدرة على رده فأجابهم الله:
66- {وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ..}: لأخذنا من أنفسهم هذه الشهوة والميول، بالإمكان انتزاع الشهوة من الإنسان، لكن ذلك سيُفقد الإنسان التسابق نحو فعل المعروف والدخول بالعمل إلى الجنة {..فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ}: فساروا في هذه الحياة فكيف يأكلون ويشربون وينكحون؟! فأجابوا: فلنكن في شهواتنا كالحيوان ولسنا مسؤولين، فأجابهم:
67- {وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ..}: لأذهبنا عقولهم فأصبحوا كالحيوان. لقد رفع الله مكانة هذا الإنسان بالفكر، وبالإمكان نزع هذا الفكر منه ولكنه سيصبح كالبهائم {..فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً..}: لا يستطيع ذهاباً ولا إياباً ولابد له من مرشد. {..وَلَا يَرْجِعُونَ}: ولكن ألا يرون ما يكون عليه حال الإنسان الجاهل المعرض حين يكبر ويصبح مسنا:
68- {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ..}: يصير جاهل كالطفل بل أضل {..أَفَلَا يَعْقِلُونَ}: شيئاً من هذا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو شرح الآية الأولى في سورة الواقعة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقول تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}:
إذا وقعت عليك أيها الإنسان، وهنا فردية، أي: وقعت للإنسان ذاته، وهي ساعة فراقه الدنيا وحلول أجله، فإذا نزلت بساحتك هذه الواقعة فما حالتك يا إنسان إن كنت غافلاً ساهياً لاهياً؟
{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}: وتأتي أيضاً الواقعة الجماعية، فإذا وقعت ونزلت بالناس أجمعين، وهو يوم القيامة والحساب على كافة البشرية. وتأتي الجزاء على الأعمال، فما هو مصيرك أيها الإنسان يجب أن تفكّر بهاتين الساعتين ساعة الموت وساعة القيامة.
في الآية (257) في سورة البقرة: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} هل المؤمنون كانوا من قبل في الظلمات والكافرون كانوا في النور طالما أنهم كافرون لم يؤمنوا من قبل؟ ما هو الطاغوت؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وجزى الله عنا علاّمتنا السيد محمد أمين شيخو خير الجزاء على هذا العلم النافع الحقيقي.
الطاغوت: شياطين الإنس والجن طغوا على الناس وسحبوهم إلى الدنيا وشهواتها بعد أن سلك هؤلاء الناس عند مرشدين صادقين قلوبهم مستنيرة بنور الله العظيم ورسوله الكريم فأناروا قلوب هؤلاء الناس حتى نالوا أحوالاً عالية بصلاتهم معهم وأذواقاً وبوارق نورانية رحمانية بقلوبهم ولكنهم لم يكونوا قد آمنوا بعدُ الإيمان الحق اليقيني فجاءهم هؤلاء "شياطين الإنس أو الجن" وقطعوهم عن أهل الله بما أغروهم به وفسَّقوهم فطمسوا نور قلوبهم وأعادوهم كفاراً فأهلكوهم.
أما المؤمنون الصادقون والصحابة الكرام فكانوا قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم في ضلال مبين كما بيّن تعالى بالآية: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} سورة آل عمران: الآية (164).
فكانوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المرشدين الصادقين في ظلام وضلال فصدقوا وآمنوا كإيمان سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأنار الله قلوبهم بنور التقوى فثبتوا مستنيرة قلوبهم دنيا وبرزخ وآخرة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في سورة الواقعة:
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}.
{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ، وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ..}.
{فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
لو كانوا صادقين هل ترجع بحال من الأحوال؟ وما علاقة الربط بين الإرجاع وكلمة {غير مدينين}؟ وهل هم مدينين أم لا؟ وما معنى مدينين؟
ما هو تأويل الآيات السابقة؟
ما معنى مواقع النجوم؟ وما علاقة ربطها بالقرآن الكريم في الآيات التي بعدها؟ ولماذا لم ترد كلمة (النجوم) بدل كلمة {مواقع النجوم}؟
ما علاقة الرزق بالتكذيب؟ وما المقصود بالرزق؟ وما هو الحديث؟ وما معنى مدهنون؟ وهل التي تبلغ الحلقوم الروح أم النفس أم كلاهما؟
وجزاكم الله خير الجزاء وشكراً.
أولاً- تسأل: [لو كانوا صادقين هل ترجع بحال من الأحوال؟]:
الآيات الكريمة في سورة الواقعة: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ، فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
هذه تتكلم عن ساعة الموت، ساعة فراق الأهل والأحباب ساعة ترك الدنيا وزينتها، وتقطع الأسباب، ساعة السفر البعيد عن كل الأصحاب، والأهل ينظرون لذلك الميت بأعينهم ولا يدرون ماذا يحصل له ولا يبصرون الحقائق الماثلة لهذا المحتضر وأن الله أقرب إليه منهم وهم المحيطون به.
يقول لهم تعالى بعد أن مات هذا الإنسان وواروه التراب.
{فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ}: إن لم يكن عليكم ما عليكم من أعمال تدينكم عند بارئكم، إن لم يكن عليكم أفعال وارتكابات وتقصيرات في جنب ربِّكم وتفريط ومخالفات بأعمال تتنافى مع الإنسانية التي خُلقتم لأجلها، والتي تنافي الفطرة التي فطركم الله عليها، إن لم يكن ذلك الدّين عليكم كنتم استطعتم أن ترجعوا نفس هذا الميت وتخاطبوه، فالنفس باقية لا تموت، بل الجسد هو الذي يموت والنفس تذوق الموت ذوقاً.
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ..} سورة العنكبوت: الآية (57). وعدم لا يكون، فالنفس باقية ببقاء الله، فهي تسمع وتتكلم وإن كان الإنسان صادقاً صالحاً ليس لديه أعمال تنافي إنسانيته من إساءات وإقترافات، عندها تشف نفسه ويسمع خطاب الأموات ويكلمهم ويكلمونه، وهذا حقاً ما حصل مع رسولنا المثل الأعلى ﷺ ويحصل مع كل مؤمن مقتفي أثر الرسول الأعظم ﷺ عندما سلَّم على أصحاب القبور "أهل القليب" فردوا عليه السلام، فسأله بعض الحاضرين هل يسمعونك يا رسول الله؟ فأجابهم ﷺ: والله ما أنتم بأسمع لي منهم.
وكذا الصحب رضوان الله عليهم، وهذا عندما توفي فتى عمر رضي الله عنه وحصل ذلك عندما كان سيدنا عمر مشغولاً بأمور الدولة، وبينما كان فتاه يسير في إحدى شوارع المدينة يموج بالحيوية والفتوة وهو على ما عليه من جمال أخاذ وحسن طالع يسبي القلوب وهو جامع للكمال الصوري والمعنوي فكانت صورته لا مثيل لها بالمدينة المنورة، وإذ بامرأة خبيثة تراه فتفتن به وبجماله، ويحرّضها شيطانها لتكيد له وتدبِّر أمراً يلبِّي طلبها الخبيث عرضت نفسها مراراً عليه فلم يشعر بها، وتعمل ما يلفت انتباهه لكن دون جدوى، فكيف يكون لهذه الفاجرة ما تريد والحشمة تسود المدينة؟!
مالها من سبيل سوى المكر، فرمت كيساً ثقيلاً من القمح أمام بيتها، وما أن وصل هذا الفتى أمام البيت حتى طلبت منه برجاء وتوسل إدخال هذا الكيس لفناء دارها، لأن زوجها بالقتال والجهاد وهي لا تستطيع حمله، فاستجاب الفتى المؤمن لعمل المعروف والإحسان وكيف لا وهو فتى أمير المؤمنين (عمر).
وما أن دلف الباب ودخل فناء الديار، قالت له: ضعه بالغرفة إذ لا أستطيع حمله وما أن دخل الغرفة، حتى غلّقت الرتاج وكشفت عن سوءتها وارتمت عليه رافعةً ثوبه معلنةً طلبها الدنيء المنحط. إلا أنّه سقط أرضاً جثةً هامدةً لا حراك فيها، فظنته الفاجرة قد مات، فماذا تفيد منه؟!
سحبته من قدمه خارج دارها وألقته بعيداً عنه إلا أنه كان قد فارق جسده مغماً عليه حياءً من ربِّه وفَرَّت نفسه الطاهرة من الخبث فرارها من النار.
وما أن رآه بعض المسلمين حتى عرفوه، إنه فتى عمر أمير المؤمنين، ذلك الشاب الطاهر، فبادروا مسرعين إليه فأيقظوه بالماء وسألوه عمّا جرى له؟ بدأ يتذكر ويسرد عليهم القصة وما أن وصل إلى أن "....رفعت له ثوبه" حتى ارتمى ثانية طريح الثرى. لكن هذه المرة كانت القاضية. إذ ما كان ليحتمل، فمن حيائه الشديد من ربّه وطهارة نفسه، فارقت نفسه جسده إلى غير رجعة، ومات شهيد الطهر والعفاف. وبعد ثلاثة أيام استفقده أمير المؤمنين لعدم حضوره للمجلس وسأل عنه، فأخبروه بالذي كان أثناء انشغاله الشديد بأمور الدولة، فقال: دلوني على قبره ووقف عنده وقرأ له الفاتحة وبعد ذلك سأله: هل ترغب بالعودة والحياة بيننا؟
فأجابه الفتى: لا والله لا أرغب يا أمير المؤمنين ولو ملكّوني الدنيا بحذافيرها، فما أبدلني به ربي خير من الدنيا وما فيها، فوالله لا أرضى أن أبدّل لحظة ولو حيزت الدنيا بممالكها وأسرها.
فهذا سيدنا عمر أرجع هذه النفس وتكلّم معها وأجابته، وكل الذين كانوا معه قد سمعوا الخطاب والجواب.
وهذا أمرٌ جارٍ ومتيسّرٌ لأهل القلوب والأبصار ودائم الحصول لكل مؤمن تقي، وبالنسبة لسيدنا عمر رضي الله عنه ما قصة "يا سارية الجبل الجبل" عنك بغائبة، عندما تكلم سيدنا عمر مع أحد قادته في بلاد الفرس وهو في المدينة يعلو منبره يخطب بالناس، وفجأةً قطع حديثه وصاح بصوته: يا سارية الجبل الجبل. إذ كان الفرس قد نصبوا لجيش المسلمين كمينهم. وعمر أمير المؤمنين في المدينة رأى الخطر المحدق بهم بعين البصيرة فحذّرهم من ذلك الكمين، وحقاً قد سمع القائد هتاف سيدنا عمر فالتفّ بجيشه وراء ذلك الجبل وباغت العدو وانقلب كمينهم عليهم، وأوقع فيهم هزيمة نكراء.
ثانياً- تسأل عن مواقع النجوم وعن ربط الآيات ببعضها:
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}: أي ما يقع عليك يا إنسان من خيرات عظام، هي من نتاج النجوم، إذ لولا النجوم ما أكلت رغيفك. وإن الشمس تحلّ بأبراجها الإثنا عشر وذلك على مدار السنة، وتستمد من النجوم الأبراج هذه الأشعة والضياء وتنقلها لنا، فيتأمّن غذاؤك وشرابك. فبأشعة الشمس ونورها وحرارتها تنبت البقول وتنضج الحبوب وتلوّن الأثمار والأزهار وتبعث فيها الحياة التي تستمدها من النجوم، وتكبر الأجنة في بطون الأمهات. والخلق كلّه عن طريق النجوم.
كما أنَّ الكون وحدة مترابطة متناسقة متسلسلة تبدأ من الكبير لتصل إلى الصغير، ومواقع النجوم أيضاً هذه المسافات الواسعة الشاهقة والأبعاد الهائلة بين كل نجم ونجم.
كلُّ نجم محافظ على كتلته وقوته، مرتبط بغيره بقوة عظيمة مع هذه الأبعاد الواسعة. وقد ذكر علم الفلك أن نجم قلب العقرب مثلاً، أكبر من الأرض بأكثر من سبعين مليوناً من المرات ولو أنّه حلّ محل الشمس لملأ الفراغ الكائن بين الشمس والأرض ولكانت الأرض نقطة فيه.
فما هذه القوة العظيمة التي تحمل هذا النجم الهائل، وما هذه الأبعاد التي بينها، فالعلم الحديث والحضارة العتيدة تعجز عن أن تصل إلى أقرب نجم والذي يبلغ بعده عنا حوالي أربع سنين ضوئية. فالعلم نجح بالوصول إلى القمر وافتخر بذلك وهو بالحقيقة يبعد حوالي نصف ثانية ضوئية، فما بالك بالنجوم ومواقعها، فالحضارة وعلومها تعجز عن الوصول على أقرب نجم فهذا المجال عظيم حقاً بالنسبة لهم ولعلومهم الدنيوية ولحضارتهم المتقدمة.
{وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} ولكن الله لا يقسم به لأنه عليه هيّن، بل يقسم بالقرآن الكريم {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}: كلام ربّ العالمين؛ هذا أعظم من تلك النجوم ومواقعها وخيراتها الدنيوية، فلولا القرآن الذي أنزل على قلب رسول الله ﷺ لما قال أحد في الكون كلمة التوحيد، ولما فُتحت البلاد على يد الصحابة، بل لما سار أحد مع النبي ولما اتبعوا دينه إلا بعد الأربعين حينما نزل عليه القرآن، فبالقرآن صلاح العباد والبلاد، فكم فيه من خيرات! فهو كلام الله ونوره المبين وحبله المتين من تمسك به نجا ومن تركه لغيره هلك، فيه ذكركم وذكر من كان قبلكم وذكر من سيأتي بعدكم. وهو الجامع للخيرات كلها. أما النجوم فهي للدنيا فقط وأما القرآن نور دائمي يمتدُّ من الدنيا إلى القبر حتى الآخرة وهو كلام الله الباقي أبد الآباد وبه الجنات والعطاءات الدائمية السرمدية. وبه ترقى الأنبياء وبه رقى أمامهم ﷺ قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ..} سورة البقرة: الآية (285). فهو من المعطي عزَّ وجلَّ، والرسول يرقى بكلام الله ويريك منه ما ترقى أنت به. لذا أقسم الله به ولم يقسم بغيره حين قال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} وذلك القسم موجود ضمناً.
ثالثاً- {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ}
الحديث هو القرآن، فالرسول ما تحدث إلا بالقرآن شرحاً وتفصيلاً قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} سورة النجم: الآية (3-4).
{..مُّدْهِنُونَ}: الدهن لا قيمة له، بل الخير كله والفائدة كلها باللحم، فإن لم تلتحم نفسك بنفس رسول الله فلن تكون معه، ولا يهبط عليك شيء من التجليات الإلۤهية والأنوار القدسية الأبدية.
فهؤلاء عميان القلوب ما عرفوا من القرآن إلا رسمه، وما حفظوا إلا لفظه وما طربوا إلا لنغمه، فأخذوا الأواني دون الغذاء وأخذوا الدهن الذي لا قيمة له وتركوا اللحم الذي فيه الفائدة والخير الكثير، فلم يكتشفوا المعاني وراء الألفاظ ولم يعرفوا الحقائق المنطوية في القرآن ولم يجنوا الخيرات المكنونة وراء الأوامر والنواهي لذا هجروه ظهريّاً وتَركوه فتُركوا.
{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}: هذه الآيات شملت الأمم والأفراد إذ لو آمنوا بالرزاق وأطاعوا رسول ربهم لرزقهم الله من حيث لا يحتسبون وجعل لهم من عسرهم يسراً ومن أمرهم رزقاً ومخرجاً.
فالمؤمن لا يحتاج لأحد سوى لِبابه تعالى الكريم. والمؤمن عزيز القلب والنفس وافر الكرامة {..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..} سورة المنافقون: الآية (8). وغيره ممن لم يتعرف على ربه الرزاق أذلاء لبعضهم البعض، هجروا ربهم ولم يؤمنوا به، فيسفحون كرامتهم ويهدرون ماء وجههم ويضيّعون عبادتهم لله من أجل الرزق ويكفرون بالرزاق فيتبعون أساليب الخداع والمراوغة و "الميكاﭬـيلي" من أجل الحصول على المال، ونسوا بذلك من رزقهم في بطون أمهاتهم، هل كان شرق أم غرب يمدونهم في تلك الظلمات؟! هل من يد سوى يد الله تكلؤهم عندها؟!
فلماذا الآن يكذبون وينكرون ذلك ويتذللون لبعضهم البعض من أجل الرزق؟ وغداً يأتيهم الموت بغتةً وبعد الموت يرون أن الله هو الرزاق الوحيد وأن الحول والقوة بيده وحده والحقائق ماثلة أمامهم.
رابعاً- تسأل هل التي تبلغ الحلقوم الروح أم النفس أم كلاهما؟
نقول لك بل كلتاهما إذ أن الروح تُسحَبُ والنفس تلحق بها هرباً من البرودة التي تحل بالجسد مع خروج الروح.
والحمد لله في بدء وفي ختم
يرجى شرح الآية (96) من سورة طه: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}.
يقول تعالى في سورة طه، الآيات (95-96).
95- {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ}: ما تقول في عملك.
96- {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ..}: رأيت الزعامة لذا أخذت شيئاً من كلامك وتعلمت شيئاً من دلالتك. {..فَنَبَذْتُهَا..}: أظهرتها ففعلت ما فعلت لكنه لو آمن لحظي بالارتباط مع سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام بل إنه صدَّق. {..وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}: ولو آمن بالآيات الكونية صُنْعُ الله، فتوصلت نفسه لله إيماناً ملموساً محسوساً مشهوداً لثبت ولثبته الله بما يغزوه به من أحوال بالصلاة بمعية إمامه رسول الله سيدنا موسى إيماناً قلبياً عديم الردة وما لبس لباس العجب بنفسه والكبر والشرك بل لكان صحابياً جليلاً بعصر سيدنا موسى ولما هوى ولما كان باباً للمنافقين الكاذبين وجعلنا منهم أئمة يهدون إلى النار لما ظلموا "أنفسهم" وكانوا بآياتنا يجحدون، فلا أمان للإنسان بدون إيمان ذاتي من ذاتهم وقرارهم وطلبهم وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.
والحقيقة: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} سورة العنكبوت: الآية (2-3).
استمع مباشرة:












