تأويل القرآن العظيم

تأويل القرآن العظيم-المجلد السادس

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

المجلد السادس

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.



الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  •  الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل القرآن العظيم- المجلد 6

  • تأويل سورة الشورى
  • تأويل سورة الزخرف
  • تأويل سورة الدخان
  • تأويل سورة الجاثية
  • تأويل سورة الأحقاف
  • تأويل سورة محمد
  • تأويل سورة الفتح
  • تأويل سورة الحجرات
  • تأويل سورة ق
  • تأويل سورة الذاريات
  • تأويل سورة الطور
  • تأويل سورة النجم
  • تأويل سورة القمر
  • تأويل سورة الرحمن
  • تأويل سورة الواقعة
  • تأويل سورة الحديد

  • عنوان الكتاب: تأويل القرآن العظيم-المجلد السادس
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 3.28 MB
  2. ePUB: 0.98 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} وقد ورد في القرآن الكريم في أغلب الآيات {..تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..}. لم وردت في هذه الآية {..تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ..} وكذلك لم وردت كلمة جنات بعدها في هذه الآية {..تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}. أما في باقي الآيات في القرآن تأتي كلمة (جنات) سابقة ل: {..تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..}.


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول سبحانه وتعالى: {..تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ..} وهم {..فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}. إذاً: الأنهار تجري من تحتهم ومن تحت الجنات أيضاً، ولا فرق بينهما وبين الآية: {..تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..}: أي من تحت الجنات والمؤمنون فيها، فالآيتان تؤديان نفس المعنى. أما المقصود بالأنهار التي تجري من تحت الجنات: فهي اللذائذ التي تتطلَّبها النفس وما تشتهيه من طعام وشراب {..أُكُلُهَا دَآئِمٌ..}: متواصل لا ينقطع لا شبع ولا جوع مهما تلذَّذت النفس تجد أكثر وأكثر. في الدنيا النفس تتلذذ بالمادة عن طريق الجسم، إذاً: تتلذذ من وراء حجاب الجسم وحجاب المادة التي نأكل منها. أما في الجنة والحكم فيها للأنفس، فالنفس بذاتها دون حجاب تهفو على أنفس الفواكه مثلاً أو ما تشتهيه، وتأخذ اللذائذ خالصة بأكبر ما يمكن دونما حجاب. فهذه الأنهار في الجنة ليس من شيء يشبهها في الحياة الدنيا حيث قال تعالى في سورة السجدة (17): {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: مما لا عينٌ رأت ولا أذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. أنهار فيها شفاء للقلوب وغذاء لها، تُخامر النفس بلذائذ لا يماثلها شيء في الدنيا.

بسم الله الرحمن الرحيم
{..وإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} سمعنا شروح كثيرة لهذه الآيةِ فما هو تأويلها الحق؟
مع جزيل الشكر.


إن كلمة (اليوم) لا تقتصر على المعنى المتعارف عليه لدى عامّة الناس، أي اثنتا عشرة ساعة، بل قد تبتدئ من اللحظة كما في آية {..كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} سورة الرحمن: الآية (29). ويطول ويقصر بحسب قرائن الكلام وما يدل عليه مسرى الحديث فاليوم المعدود من قبلنا هو اثنتا عشرة ساعة وسطياً، وقد يزيد عنها في فصل الصيف كما ينقص عنها في فصل الشتاء.
إذن اليوم هو فترة زمنية غير محدودة بزمن محصور ومقصور تبتدئ من اللحظة وتطول وتقصر ونعود إلى الآية التي نحن بصددها:
{..إِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ..}: هنا الخطاب لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وكلمة {..رَبِّكَ..}: أي ربك يا محمد. ففي هذا اليوم الذي يؤم لك المرء فيه وترتبط نفسه بنفس الشفيع المشفّع بروابط التقدير والمحبة والتعظيم، كما ارتبطت نفوس السحرة بنفس سيدنا موسى عليه السلام.
أقول: في هذا اليوم وإن شئت فقل في تلك اللحظة، إن قدّرت رسول الله وعظّمته يعرج بك إلى الله ويُدخِلُ نفسك في حضرة الله وترى بنوره صلى الله عليه وسلم طرفاً من عظمة الله وجلاله وتشهد بواسطة ذلك السراج المنير ما تشهد من كمال الله تعالى ورحمته ومزيد برّه وفضله فينقلك رسول الله منه إلى الله عزّ وجلّ وتنتقل من تقدير الرسول إلى تقدير الله.
وفي هذا اليوم يغدو المرء عالماً حكيماً من بعد ما كان جاهلاً. إذ تفتّحت منه عين البصيرة وانكشفت له الحقائقُ حقائق الأمور خيرها من شرها فغدا بصيراً من بعد ما كان أعمى القلب {..فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ..} سورة الحج: الآية (46). فهذه أكبر وأعظم نعمة ينعمها الله على إنسان قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} سورة فاطر: الآية (19). وهذا كلّه بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإنَّ فَضلَ  رسـول اللـه  ليـس له            حـدٌّ فيُعْـرِبَ عنـه ناطـقٌ بفَـمِ

وهذا اليوم له ما بعده، وخيره يتنامى ويتعاظم ليعمَّ القاصي والداني، فالصحابة العظام بتعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، فهدوا الأمم خمسين جيلاً. ولا تزال بصحيفتهم الأمم والأجيال. والخيرات تتوالى عليهم. كلّ هذا بفضل ذلك اليوم.
{..إِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} فهذا اليوم الذي تؤم بنفسك لرسول الله الذي سما وعلا وتجعله إمامك وقدوتك على بصيرة وهدى وتصل به إلى السناء والضياء خير لك من عمرٍ تعمّر فيه ألف سنة بالصلاح والعبادة والفضيلة. وفي اكتساب العلوم والخيرات.
فلو عمَّرت ألف سنة على هذا المنوال من الاستقامة والصلاح، أي: لم تطرف عينك إلى حرام ولم تستمع بإذنك إلى منكر ولم تمتد يدك إلى محرم، وأمضيت عمراً بلغ ألف سنة على هذه الوتيرة، فهو بالمساواة كلحظة بقرب رسول الله، هذا القرب النفسي الذي يرفُقُه التقدير والمحبة. ومن نال هذا هو الإنسان حقاً الذي استأنس بالله ورسوله وصار ينفع الناس كلهم وهذا هو التقي حقاً بالدرجات العلى سما وعلا.
وهذا ما حصل مع سحرة فرعون عندما قدروا سراجهم المنير موسى عليه السلام، وشاهدوا الحقائق بنوره صلى الله عليه وسلم بلحظة واحدة، نالوا علوماً ما كانوا ليعرفوها ولم يسمعوها قبل ذلك، فتكلموا كلاماً شهودياً يقينياً. وآمنوا بهذه اللحظة برب موسى وهارون فهدَّدهم فرعون بالقتل والتنكيل والتعذيب فما وهنوا ولا ضعفوا بل كان جوابهم {..لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} سورة الشعراء: الآية (50). وضحوا بالدنيا وما فيها وقالوا: {..فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} سورة طه: الآية (72). فالدنيا لم تعد لها قيمة عندهم وذلك من بعد أن وعدهم فرعون بالملك والإنعام والإكرام والقرب لديه: {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} سورة الشعراء: الآية (42). إلا أن الذي رأوه عن طريق سيدنا موسى أعظم وأكبر إذ رأوا البداية فقالوا: {..لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا..} سورة طه: الآية (72). ورأوا النهاية فقالوا: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى}. هذا الشيء فهموه بلحظة. {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى}(5). كل هذا البيان والعلم بطرفة عين إذا كانوا سحرة كفرة لا يفقهون شيئاً، فهذه اللحظة الإيمانية بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعادل ألف سنة بالصلاح والعبادة والاستقامة والانكباب على شتى العلوم المختلفة بهذه اللحظة ينل ما أعدَّه الله له مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

قال الله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ}.


الحديث عن قوم فرعون بعد هلاكهم يحدِّثنا تعالى عنهم ليكونوا لنا موعظة وعبرة قال تعالى في سورة الدخان:
{كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}.
{وَنَعْمَةٍ..}: ليست نِعمة، إنها عادت عليهم بالسوء، إن ما فيه الأغنياء من ترف يسمَّى نَعمة بالفتح، إنه إمداد لهم ثم يأخذهم الله بما كسبوا.
{..كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}: همَّهم الدنيا وشهواتها والتلذُّذ بما فيها من أموال ونساء وأولاد وطعام وشراب وهذه اللذائذ حجبتهم عن حضرة الله والإيمان به وحرمتهم مما أعدَّه تعالى لهم من جنات فعادت لذائذهم عليهم بالشقاء والحسرات والخسران والهم والغم بالدنيا قبل الآخرة.
{كَذَلِكَ..}: قانون عام، هذا قانون لكل الناس. {..وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ}: وسيرث الأرض المؤمنون بعد.

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي سؤال حول الآيات (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي..) سورة طه {25-35}، و (وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون) القصص {34-35}.
هل سيدنا موسى لا يستطيع مواجهة فرعون لوحده حتى طلب أخاه هارون؟ أم لا يستطيع أن يتكلم بسبب عقدة بلسانه أو لأنه أقل فصاحة من سيدنا هارون؟ فما حقيقة هذه الآيات أو تأويلها لأن الآيات التالية تشير أنه تكلم هو وواجه القوم وغلبهم. أرجو التوضيح وجزاكم الله خير الجزاء.


الحمد لله رب العالمين الذي بعث الأنبياء منذرين ومبشرين فكانوا قدوة للعالمين بما تحلت نفوسهم من صفات سامية عليَّة، وتخلّت عن كل شائبة ورديَّة فكانوا بذلك نبراساً للأمم والأجيال تلو الأجيال.
فها هو سيدنا موسى عليه السلام يعطينا درساً في المودة والإخاء تجاه أخيه هارون (عليه السلام) بل ويعطي العالمين أجمعين بما أُنزل في الذكر الحكيم.
وكما هو معروف أن سيدنا موسى عليه السلام أثناء إقامته في قصر الملك (فرعون) كان يذهب إلى أخيه هارون سرّاً ليتلقى عنده الدروس الدينية العلية ويترقى في مدارج الكمال يوماً بعد يوم وهاهو الآن قد أُهّل لأن يكون للناس إماماً بعد أن تخرج من مدرسة سيدنا شعيب، وكلَّفه الله عزَّ وجلَّ وقلَّده الرسالة ليبلِّغ العالمين دلالة ربهم الرحيم:
{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} طه [12-24].
فهذا التكليف وهذا المقام الذي بلغه سيدنا موسى لم يبلغه أحد في زمنه، وهذا النوال العظيم الذي ناله بأن يكون سفير رب العالمين لعباده، لذا أحب سيدنا موسى أن يشرك أخاه سيدنا هارون في ذلك العطاء العظيم لأن نفسه عليه السلام قد جبلت على حب الخير والإحسان و"ابدأ بالإحسان من بدأك بالإحسان"، ولم ينسَ سيدنا موسى عليه السلام الفضل الذي ناله عن طريق سيدنا هارون إذ كان في يوم من الأيام مريداً صادقاً عنده وكان سيدنا هارون نِعْمَ المرشد الأمين والناصح الرحيم، والآن قد آن الأوان لأن يردَّ له المعروف والإحسان ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فطلب من ربه أن يجعل سيدنا هارون وزيراً له وأن يشركه في أمره فيصبح رسولاً وهذه أسمى وأعلا الرتب العليَّة، وعندما رأى الله عزَّ وجلّ ما يكنُّه سيدنا موسى من حب الخير وردِّ الجميل والله مع الخير والمعروف فقبل طلبه وقال : {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} طه [42]، وفي سورة الشعراء قال سيدنا موسى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} : شخص متهم قد قتل نفساً فكيف يذهب لأهل المقتول وفرعون ملك جبار طاغية ولهم عليه هذا الذنب أما عن الآيات في سورة طه {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} لأن الكلام بحسب السامع، فالمؤمن يضيق صدره من مواجهة الكافر بسبب الصدود والإعراض الذي يلاقيه في نفوسهم، فسيدنا موسى يعرفهم ويعرف إعراضهم عن الحق فطلب من ربه أن يشرح صدره وييسر أمره حتى يستطيع الكلام والبيان. كيف؟ بأن يرسل هارون أخاه معه فيكون له أنس وأنيس فهو يعرف سيدنا هارون وصفاء نفسه ونقاءها وطهارة هارون وصلاحه فطلبه معيناً لكي يؤازره ويسانده قلبياً في التبليغ، فيرى أذناً صاغيةً سامعةً للحق ونفساً عاليةً مقبلةً على ربها، فيركن لهذه النفس الصافية الزكية قلباً، عندها ينطلق لسانه لهداية الكافرين المعاندين ويستفيض في الشرح والبيان براحة قلبٍ واطمئنان.
ومن المعروف أنه إذا كانت النفس مرتاحة مطمئنة تجود بما عندها من البيان أما إذا كانت منكمشة مضطربة فلا تستطيع الكلام فبوجهة سيدنا موسى إلى أخيه هارون المقبل بنفسه على الله يرتاح ويستأنس به على مواجهة وهداية هؤلاء المعرضين (فرعون وقومه).
فبارتياح سيدنا موسى وانشراح صدره بتوجهه لأخيه هارون النقي التقي تنحلل العقد وتنفرج الأسارير وتسري الحكم من قلبه على لسانه، فلا عقدة بلسان سيدنا موسى ولا غيرها مما يدعيه عميان القلوب فالأنبياء أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً والله اصطفاهم واختارهم مبلغين فهم أفصح الناس وأبلغهم وأكملهم صورةً وحقيقةً.
فما كان كلام سيدنا موسى مع ربه إلا لكي يشرك أخاه هارون في أمره لينال الخير والفضل العميم بهذا التكليف العظيم من رب العالمين، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والآيات تشير أن سيدنا موسى هو المتكلم وهو الذي واجه القوم وحده، أما سيدنا هارون فلم ينطق بكلمة واحدة، بل كان في ذكرٍ دائمٍ لربه متجهاً لسيدنا موسى يؤازره ويسانده في حاله القلبي وسيدنا موسى من خلال نفس سيدنا هارون الطاهرة الزكية النقية يشركه في أمره ويشدد به أزره فيتم النصر ويزهق الباطل.

حضرة الأستاذ الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله ورعاكم.... آمين
ما المقصود في هذه الآيات الكريمة من ذكر الشياطين (التي يتبعها شهاب) و (وحفظ السموات من الشياطين) و (كيف تسترق السمع وعلى من؟؟) وما المقصود قوله تعالى (وجعلناها رجوماً للشياطين).
ولكم جزيل الشكر


تسأل ما المقصود من ذكر الشياطين في الآيات:
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} سورة الحجر: الآية (16-18).

نقول: إن ترابط الآيات وأحكامها يبين لك المعنى والمراد بشكل واضح جلي: فالآيات السابقة من سورة الحجر تقول:
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ..} الآية (14): لو فتح الله على قلوبهم وأراهم الحقائق شهوداً عياناً وذلك دون سعي منهم ولا جدّ واجتهاد لما ثبت عليها بل لنكثوا وعادوا للمعارضة وذلك لأنه:

من أخذ البلاد بغير حربٍ      هان عليه تسليم البلاد

فمهما رأى الإنسان ومهما ذاق من أحوال علوية، إن لم يكن قد دفع ثمنها هذه لا يثبت عليها بل يتراجع ويعود لكفره.
{..بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} الآية (15): ظنوا ذلك سحراً.

إذن: الإيمان والسعي الذاتي والصدق بالطلب هو الأساس والأصل ومن دون الإيمان لا يصدق المرء بطريق الكمال، بل يتراجع وينكث يمشي خطوة إلى الأمام ويتراجع أخرى.

ما هو طريق الإيمان:
الذي لا تراجع بعده أبداً؟!. انظر في السماء، لذلك أورد تعالى هذه الآية لتسلك ما سلك أبوك إبراهيم إلى الإلۤه ولمشاهدة حضرة الله، بعدها ليس للشيطان عليك سبيل أبداً، يستطيع الشيطان أن يسلب من الإنسان كل شيء إلا الإيمان، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا..}: هذه فكر بها كي تصل للحق، هذا طريق الإيمان الحق، لا تتطلب المعجزات ورؤية الملائكة.

{..وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}: الزينة لكي تراها وتستدل بها، فإن لم تفكر وتسير بهذا الطريق فلن تؤمن بلا إلۤه إلى الله ولن تحفظ من إغراءات شياطين الإنس والجن، هذا هو الطريق الإيماني الذي سلكه سيدنا إبراهيم عليه السلام وأهل الكهف وجميع المؤمنين فكروا بالسماء بالشمس بالقمر بالنجم حتى توصلوا للإلۤه.

{وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}: فهم حفظوا بالإيمان عن طريق السماء من الشيطان فهذا الإيمان الراسخ الثابت الذي لا يخلّصُك أحدٌ إياه ولو اجتمعت جميع الشياطين، الذي آمن وسلك الطريق الذي سلكه سيدنا إبراهيم عليه السلام لا سلطان لهم عليه أبداً. قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل: الآية (99).

إذن: النظر في السماء سرعان ما يصل بك إلى الإيمان حيث لا مطمح للنفس بالشهوات فيها، فالشهوات المنحطة أرضية، فإن خاف المرء من معقبات الموت، ونظر في السماء مفكراً، لأوصلته للإيمان بالله تعالى الحق الذي لا رجوع بعده، أبداً لأن الإنسان هو الذي حصل عليه بذاته لذاته بسعيه، فهو الذي رأى الحق وعرف الحق وشاهد من الحق آيات، فلا سلطان للشيطان عليه أبداً، وقد عقّب تعالى عن الشيطان في محاولة ثانية يقوم فيها لاستراق السمع ليتكلم عن المغيبات وتقع فيتبعوه. ولكن هذه الخطوة الجريئة إنتحارية إن سلكوها حقاً واسترقوا الأوامر الإلۤهية اليومية التي يأمر الله بها الملائكة عندها يكون قد قضى على نفسه إذ يتبعه شهاب ثاقب ويحرقه.
السؤال الثاني: كيف يسترقون السمع وعلى من، بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} سورة الحجر: الآية (18)؟

إذا صدق المرء في أي أمر وأصرّ عليه فإن الله يطلقه لما يريد ويمكنه من بلوغ ما أصرّ على طلبه.
وهؤلاء الشياطين أعوان السحرة والعرافين أرادوا أن يسترقوا السمع من الملأ الأعلى، حيث الملائكة هناك تأخذ الأوامر، وكيفية العمل مع العباد من عطاء أو حرمان وتقسيم الأرزاق أو حلول المصائب والبلاءات على قوم ما، فهؤلاء الشياطين يصعدون لهناك لكي يسترقوا السمع خلسة ومن ثم يفشوا الأسرار للكهنة الإنسيين والسحرة أعوانهم فيقوم هذا الساحر بإعلام الناس بأمور غيبية لا يعرفها أحد فيظن الناس به خيراً وهو عكس ذلك ويتبعوه فيوردهم موارد التهلكة وهذا ما لا يرضى به الله ولا يمكّن الشياطين منه لأن الله تعالى يقول: {..وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} سورة الكهف: الآية (51). فهؤلاء الشياطين الذين يصعدون للملأ الأعلى لاستراق السمع من يسترق منهم يكون مصيره الموت المحتم، فيرسل الله له شهاب ويحرقه به وهذه الشهب كثيراً ما ترى لاسيما في القرى.

وتسأل: ما المقصود من قوله تعالى: {..وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ..} سورة الملك: الآية (5)؟
أي: إن آمنت عن طريق السماء كما آمن سيدنا إبراهيم حفظت بالنور الإلۤهي من كل شيطان أن يدخل عليك وأن يكون له سلطان عليك، فبالإيمان عن طريق المصابيح التي في السماء حفظ من شر الشيطان، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إن صعد هذا الشيطان الانتحاري واسترق السمع في الملأ الأعلى وأخذ أمراً من الأوامر التي تتلقاها الملائكة فإن الشهاب يلحق به ويتبعه حتى يدركه ليحرقه ويكون مصيره الموت الزؤام.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى