تأويل القرآن العظيم

موسوعة عمّ

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

دعوة للمفكّرين بتأويلٍ عالٍ يبهر العقول والقلوب والعواطف جميعاً ويغرز فيها الإجلال للعظمة الإلهيّة والإيمان ، ذلك لأنّ روعة جلالها وباهر ضيائها جلالاً وضياءً يتوارى دونهما كلّ ما سواهما فما كان أعظم تاليها !. وأعظم به. كان عالماً: (جبلاً) حجب ما سواه.
غطّت دلالته الأجيال ويحقّ أن تفاخر به الأجيال، فطوبى لمن استظلّ بجلال عظمتها واستضاء بباهر لألائها.
فيها براءة الإسلام العظيم من دسوس المغرضين، فيها براءة قلوب السالكين من أهواء الشياطين، بها سعادة الحياة العظمى أبد الآبدين، تنزيل من حضرة الله العلي الرحيم ورسوله الكريم.


لقطات شاشة من الكتاب

موسوعة عمّ

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
موسوعة عمّ

  • الإهداء
  • المقدّمة
  • تأويل سورة الناس
  • تأويل سورة الفلق
  • تأويل سورة الإخلاص
  • تأويل سورة المسد
  • تأويل سورة النصر
  • تأويل سورة الكافرون
  • تأويل سورة الكوثر

  • عنوان الكتاب: موسوعة عمّ (آلاء الرحمن في تأويل القرآن)
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 10.83 MB
  2. ePUB: 0.42 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أطلب تأويل الآية (45) من سورة الكهف.


يقول تعالى في سورة الكهف: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}:

{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..}: ذكَّرهم ربهم"فليفكر هذا الإنسان" {..كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ..}: المطر ماؤها اختلط بالزرع. {..فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً..}: فاخضر ثم جفّ ويبس. {..تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ..}: وينسفه الهواء. هذا هو مثل الإنسان في نموه، ودنياه في ذهابها عنه. إذن: كذلك أنت أيها الإنسان كالزرع ستصبح تراباً، ألا تفكر بهذه الدنيا! بمن سبقك مهما عشت. {..وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}: كما بدأك يعيدك كما كنت. إذن: الله تعالى خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم قال له: اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كيف ينزل المطر؟ كيف ينبت الحبوب وتصبح زرعاً؟ ثم يجف ثم ييبس فيصبح تراباً وأنت كذلك أيها الإنسان تمر بأدوار كالنبات ثم تموت وتعود تراباً يعيدك كما خلقك.

يقول الله تعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..} سورة الشعراء.
نريد شرح الآية مع ملاحظة أن الرسول كان له شاعر يمدحه هو حسان بن ثابت؟


الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
يقول أمير الشعراء البحتري في العصور الماضية «أعذب الشعر أكذَبُهْ»، وبما أن كلمة (الشعر) مأخوذة من الشعور والعواطف، لا لغة المنطق والتفكير والحجة، وبما أنهم بعد ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم مشوا بالإيمان والتفكير والحجج القاطعة وتخلّوا عن لغة المشاعر والأوهام والتخيلات السراب والتي لا وجود لها بعالم الواقع. وعلى سبيل المثال كانوا يتكلمون لغة الكذب لإرضاء الملوك وأولي الأمر ولأخذ المال منهم فيمنحونهم أوصافاً لا وجود لها مثل: (أنت بحر أنت بدر، أنت شمس..) وهل هو بحر أو بدر حقاً؟!
إذاً يصفونهم بما ليس فيهم ليأخذوا أعطياتهم ومثالاً: ما أورده المتنبي بحق أحد الأمراء قوله:

أمُعَفِّرَ الليثِ الهزَبْرِ بسَوْطِهِ      لِمَنِ ادْخَرْتَ الصَّارِمَ المَصْقُولا

وأن هذا الأسد حين يشرب من نهر الأردن ورد الفرات زئيره والنيل. أي أن صوته ورد من الأردن إلى الفرات بشمال حلب إلى النيل في مصر، وهذا كله لا يحصل ولا أصل له ولا يصل صوته إلا لبضع كيلو مترات.
وهل يمكن للسوط "كرباج" أن يقتل أسداً، "مستحيل" فالحقيقة كما قال البحتري كله كذب بكذب: «أعذب الشعر أكذبُه».

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالصدق وصدَّق به هو وصحبه الكرام والله علَّمه القرآن، ويقول تعالى أنه لم يعلمه الشعر، أي الكذب وما ينبغي له. لأنه الصادق الوعد الأمين ولم ينطق عن الهوى، والشعر كله هوى في هوى، زخرف القول غروراً.

وأما الصحابي الجليل شاعر رسول الله حسان بن ثابت فقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنافحة عن الدين الإسلام "بلسان القوم الكذابين"، لأن الكافرين الكذابين لا يفهمون إلا بالكذب، والرسول قد أمره الله تعالى أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، فبحال الاضطرار والحرب الكلامية خاطبهم حسان بن ثابت رضي الله عنه بلسانهم الكاذب وبحسب ما يفهمون ونزل إلى مستوى عقولهم، وذلك في البداية بداية الإسلام ونهوضه، ثم انقضى على الشعر منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعهد الصدارة حتى بعهد الأمويين الفاتحين للعالم لم يعد للشعر تقريباً وجود، إذ ظهر الحق وأزهق الباطل والكذب والدجل، فحسان بن ثابت رضي الله عنه لضرورة حربية كلامية ناجزهم بلغتهم، وأقام عليهم الحجة لنصرة الدين، فلما ساد الإسلام وسيطر لم يبق عملياً للشعر وجود.

وبقية الآية: {..إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..}: أي كانوا شعراء في الجاهلية ومن ثم تركوا الشعر وتابوا إلى الله وآمنوا ولم يعودوا للشعر وللجاهلية، التوبة النصوح تمحو الخطايا.

السلام عليكم ورحمة الله
لدي سؤال عن سورة الزلزلة كيف يتم خروج الناس على ظهر الأرض وهي قد زالت وتفكّكت أجزائها وذرّاتها؟


كيف زلزت الأرض زلزالها؟ كيف زالها رب العالمين؟ بداهةً بعد أن أَخرجت الأرض أثقالها لأنها لو زالت فكيف تُخرج أثقالها وهي غير موجودة؟! لكنها أخرجت أثقالها معنى ذلك أنها قبل أن تزول، فكما هو مبين في الآية التالية:
{وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}: إذاً ألقت ما فيها وتخلت عن المخلوقات جميعاً وبعد ذلك {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} سورة الانشقاق: الآية (3-4-5): أذنت لربها بأن يزيلها (وحقت) أخذت استحقاقها وثوابها وجزاءها على تسخيرها للإنسان بالتمام وبالاستحقاق أخذت أجرها بالتمام.
كانت بمرتبة قبل التسخير ثم صارت يوم القيامة بدرجة أعلى جزاءً لخدمتها للإنسان.
وهذه الآية تصادق ما شرحناه في الآية في سورة الزلزلة.

أستاذي الفاضل حبذا لو تكرّمتم بتأويل الآية التالية: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} سورة محمد: الآية (19).


{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..}: إن السادة الأنبياء والرسل الكرام عاهدوا الله قبل مجيئهم إلى الدنيا على الأمانة وبرُّوا بعهدهم، ولم يختلفوا عنه ولم ينقطعوا عنه طرفة عين لا ليل ولا نهار، فهم في صلاة دائمية لا ينقطعون عنه أبداً يقول ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» فبقي لهم نورهم، والله وملائكته يصلّون عليهم لأنهم صلوات الله عليهم دائمي الوجهة إلى الله، لذلك بعثهم الله منقذين لعباده هادين للناس، يقول ﷺ: «إنما بعثت معلماً»: أي للإيمان. فيرى ﷺ الناس فيما هم فيه ويضع نفسه مكانهم، فيسلك من أجل دلالتهم على الله ليعلِّم الكيفية التي يصلون بها إلى الله تعالى تماماً كما فعل سيدنا إبراهيم العظيم حينما فكر في نشأته وتربيته، فبحث عن مربيه وتنقل في تفكيره بين الكوكب والقمر والشمس وما أن أدرك تعالى صدقه في الوصول بهذه الأصول حتى أوصله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} سورة الأنعام: الآية (75).
وتدل كلمة (وَكَذَلِكَ): أن هذا القانون عام كل من سلكه وصدق فيه فإن الله يريه ملكوت السماوات والأرض لأن باب الله مفتوح إليه ليريه.
إذاً كلمة: (فَاعْلَمْ) أي: اشهدْ من أجلهم، لتشهد لكلِّ من فكَّر وعقل كلمة (لا إلۤه إلا الله) بأنوارك العليَّة الموصلة بهم إلى نوري، والله نور السموات والأرض.
{..وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ..}: الاستغفار من غفر، وغفر: غطى وستر، والذنب ما علق بالنفس ولم يخرج إلى حيز العمل، لذا فمن رحمته ﷺ وحنانه وحبه لإنقاذ الخلق وهدايتهم يعلق بنفسه ممّا هم فيه، لشدّة تأثّره وحزنه عليهم، ويُمحى بنور الله، فقلبه ﷺ ليس حديداً وليس قاسياً ولكن نفسه الشريفة الطاهرة مرهفة نقية وحساسة جداً وصافية كلها حنان وحب، ومن مخالطته واحتكاكه بالناس وضمن وظيفته يعلق بنفسه منهم فينعكس عليه، ويزول باستغفاره مباشرة عنه وعنهم، فذنبه ﷺ ما علق بنفسه منهم إذ تنعكس شهواتهم على نفسه الشريفة آلاماً وضيقاً وهمّاً وحزناً، فهو ﷺ لا يستهوي إلا الكمال ولا يعشق إلا الحضرة الإلۤهية.
لذا يطلب منه تعالى أن يستغفر، أي: يقبل عليه فيغمره بتجلياته العظمى وأنواره الكبرى ليغطي ويستر عن قلبه هذه الذنوب التي علقت بنفسه ﷺ منهم وانعكست عليه ليزيلها ﷺ بالله باستغفاره.
{..وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..}: أما استغفاره للمؤمنين وللمؤمنات فإنه ﷺ مهبط التجليات الإلۤهية فبوجهته بالنور الإلۤهي إليهم حين صلاتهم، فإنه يذهب عنهم إصرهم أي: إصرارهم على حب الدنيا الدنية، والأغلال التي كانت عليهم، أي: الشهوات الدنيئة التي ارتكبوها، وتزدان نفوسهم بالكمالات وحب الفضيلة كذا مثل الصلوات الخمس بمعيته ﷺ: «أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقى من درنه؟ قال: لا شيء. قال: فإن الصلاة تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن» سنن ابن ماجه رقم /1367/. خمس لقاءات مع الرسول ﷺ بالكعبة تذهب عنهم كل ما علق بهم بوجهتهم للرسول والكعبة.
{..وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}: لا تخفى على الله منكم خافية، فلا تشفى نفس إلا بربها وهذا هو الطريق إلى الله تعالى بالصلاة إذ فيها للمؤمن الصادق ما يغنيه عن لذائذ الدنيا الدنية وينهى نفسه عن الفحشاء والمنكر، والخيرات الباقية الدائمة للنفس تنال كلها بالصلاة: {..وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ..} سورة التوبة: الآية (103).

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}
الآية واضحة لكن أشكل فهم ما فوق البعوضة ما هو؟
لم أجد تأويل الآية ومن واجبي أوضح الأمر للمسلمين.
ألا تتفق معي يا شيخ أن ما فوق البعوضة هي السماء بما فيها من شمس وقمر ونجوم؟
هذا هو المعنى الصحيح وليس كما ادعى أعداء الله المنافقون أنها حشرة على ظهر البعوضة حشرهم الله في نار جهنم آمين.


أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}.
والمثل هو أن يضع المربِّي أمام الإنسان شيئاً أو أن يذكر له قصة أو حادثاً فيه بيان وعبرة، فإذا أمعن الإنسان التفكير في هذا المثل ودقَّق فيه ورأى ما فيه من عبرة توصَّل إلى ما انطوى عليه هذا المثل من موعظة.
وقد بدأ تعالى هذه الآية الكريمة بكلمة:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً..}: لا يمتنع عن البيان لأنه ضمن الحق، إن كان المثل عن صغيرة أو كبيرة.
{..مَا بَعُوضَةً..}: لما فيها من الخيرات. {..فَمَا فَوْقَهَا..}: أي الحشرات أو الحيوانات من جنس الأحياء مهما صغر لا الجمادات ليبين لك أنه تعالى رحيم بك عطوف عليك. وهو لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، لأنه بهذا المثل إنما يريد سعادتك ونقلك من حال إلى حال.
وقد ذكر تعالى كلمة (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) ليبيِّن لك أن البعوضة وهي تلك الحشرة التي هي أصغر من الذبابة جسماً إنما فيها من الآيات الدالة على الخالق وعلمه وحكمته وعظيم صنعه وقدرته ما يستدعي انتباه المنتبه ويجتذب نظر الناظر.

وتقريباً لهذا المعنى الوارد في الآية الكريمة وزيادة في الإيضاح نضرب المثل الآتي فنقول:
قد يصف الطبيب لرجل دواء على شكل حبوب صغيرة لا يتجاوز حجم الواحدة منها حبة البرغل وتراه لا يستحي أن يصف لمريضه هذا العلاج. نعم إنه لا يستحي بذلك لِما يراه فيه من الفائدة والخير.
والناس تجاه وصفة هذا الطبيب أحد رجلين:
رجل عالم يعرف تركيب هذا الدواء وما فيه من المعالجة الناجعة لعلّة هذا المريض، لذلك تراه يقدِّر الطبيب ويعلم أن هذه الوصفة كلها نفع وخير.
ورجل جاهل ينظر إلى صورة العلاج وحجمه فيستخف به ويقول ما فائدة هذه الحبّة الصغيرة وما تأثيرها في علاج هذا المرض الوبيل، فتراه لا يعبأ بها ولا يلقي لها بالاً وهو بسبب ذلك الاستخفاف يتباعد عن هذا الطبيب ولا يستفيد منه في شيء فتتفاقم به أمراضه وتتراكب عليه علله، فمن حال إلى حال أسوأ ومن رديء إلى أردأ.
إن هذا المثل الذي ضربناه يوضِّح لك هذه الآية التي نحن بصددها أحسن توضيح. فالله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها.

{..فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا..}: حقاً. {..فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ..}: يرى أن هذا الكلام كله حق، كل واحد بحسب إيمانه يفهم، يرون ما فيها. كل إنسان بحسب إيمانه يفهم، الحق لا يُرى إلّا من طريق التربية. فسيدنا إبراهيم وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام وكافة الرسل عن طريق التربية اهتدوا.
فأما الذين آمنوا بلا إلۤه إلّا الله ورأوا أن الكون كله إنما تشرف عليه تلك الإرادة العليا وتصرِّفه تلك اليد العظيمة القديرة. هؤلاء الذين عرفوا جلال الله وخضعت نفوسهم لما شاهدته من عظمة الله تراهم إذا ضرب الله تعالى مثلاً بعوضة فما فوقها رأوا في هذا المثل من الخير وعلموا أنه الحق من ربِّهم.
وعلى هذا فما قيل عن الحشرة التي على ظهر البعوضة كلام مرفوض لا منطق فيه ولا معنى، فالله يضرب المثل بالعين المجردة ولا يطلب منا المجاهر لفهم كلامه الواضح لا سيما المثل الذي ضربه لكل إنسان دبَّ على وجه البسيطة.

{..وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ..}: يضل به بما يسوقه له من بلاء. {..كَثِيراً..}: عن كثير مما في نفسه من الشهوات الكامنة فيها. هذا الذي قال هذا القول ماذا يسوق له تعالى، بلاءً يحوِّله عن كثير من موبقات كان سيقع بها، يضلُّهم ليخرج ما فيهم إذ أنهم أضلُّوا أنفسهم ولهم الاختيار.
إذن: بإنكاره لهذا المثل يقع بشهوة واحدة تشغله، يستغرق بها وبعدها يسلِّط عليه الشدائد والمصائب والفقر و..و.. وبذلك وبهذا العلاج بعدها إن رجع وأناب انمحت من نفسه مئات من الشهوات، فبخروج شهوة واحدة يبعده تعالى عن كثير من الشهوات.
وأما الذين كفروا وانصرفت نفوسهم إلى الدنيا وزينتها معرضة عن الله تراهم بسبب عمي بصائرهم الناشئ عن فسقهم وعدم استنارتهم بنور الله لا يرون ما في ذلك المثل من الخير كما لا يقدِّر المريض الجاهل ما وصفه له الطبيب من علاج فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً.
وهكذا فالمؤمن بلا إلۤه إلا الله يغدو بصيراً مشاهداً يشاهد بنور الله فيستعظم الأمثال التي يضربها الله تعالى ويقدِّر كلامه. والكافر الفاسق أعمى محجوب إذا سمع من آيات الله شيئاً اتَّخذها هزواً، مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع.
{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} سورة فاطر (19-22).

وتوسُّعاً بالإيضاح ولعلَّك تقول:
ما المراد من كلمة {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..} الواردة في الآية الكريمة التي نحن بصددها؟ وما دام الله تعالى رحيماً بعباده ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يضل بهذا المثل كثيراً؟ فنقول:
هذه النقطة الهامة كانت موضع أخذ ورَدْ في قرون مضت، وقد ضلَّ بسبب عدم فهمها أناس كثيرون، وتزندق آخرون.

إذن: بما أن الإنسان بإعراضه عن خالقه تمتلئ نفسه بالخبث والشهوات المنحطة، لذلك تقضي الرحمة الإلۤهية بمعالجة هذا المريض ويكون هذا المثل الذي يضربه الله تعالى وسيلة وواسطة لهذه المعالجة. فهذا المعرض بسماعه المثل يستخف قائلاً:
{..مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً..}؟ ويسوق له قول الإثم هذا بالاستخفاف والاستهزاء بقوله: {..مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً..}: العلاج المناسب من الله تعالى على هذا القول، فينزل الله به مرضاً أو شدة من الشدائد التي فيها ضغط أليم على النفس، ومن الملاحظ أن كل إنسان إذا نزلت به مصيبة أو حاقت به شدة عظيمة أو مرض مؤلم تنكسر نفسه وتراه بهذه المصيبة قد انشغلت نفسه عن كل شيء حتى أنه ليغيب بألمه عن كل شهوة. ذلك ما توحيه لنا كلمة: {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..}: أي: إنه تعالى بهذا المثل وما يعقبه من المعالجة على الاستخفاف وقول الإثم يخفي ويستر عنه كثيراً من الشهوات الكامنة في نفسه، وإن شئت فقل: يضل هذا الكافر عن كثير مما في نفسه من شهوات خبيثة فلا يعود يفكِّر بها ولا يراها.
هذا هو معنى الإضلال من الله في حق الكافر، إنما تتمثَّل لك فيه الرحمة والرأفة الإلۤهية كما يتمثَّل لك الفضل والإحسان الإلۤهي.
فالكافر إذن يضلّه الله ضلالة واحدة ليُخرج من نفسه الخبث وينظِّفها من كثير من الخبائث فلا يُريه ما وراءه: «حُبُّك الشيء يُعمي ويُصمُّ» أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء مسند الإمام أحمد ج 5 ص 194.
{..وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً..}: المؤمن الذي آمن يهديه لكثير من الخيرات. لينال ما تأهَّل له. المؤمن عرف أن السعادة من طريق المربِّي فاهتدى وكسب كثيراً.
المؤمن الذي آمن بالله ينكشف له بذلك النور الإلۤهي الذي أنار نفسه المقبلة على الله ما في هذا المثل من الخير، وبهذه الرؤية يزداد تقديراً لخالقه وحبّاً به، وهذا التقدير والحب يدفعه إلى العمل الصالح الذي يزيد إقباله واستنارته وبذلك يزداد رؤية وهدى ويرتقي من درجة إلى درجة أعلى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى.
وهكذا فهذا المثل الذي يضربه تعالى إنما هو بآن واحد مفيد للطرفين:
فهو تعالى يضل به عن نفس هذا الكافر كثيراً من الشهوات الخبيثة حينما يعالجه عن عمل خبيث سيِّئ فإن تاب ثم أناب إلى الحق واستسلم إليه «والإسلام يجبُّ ما قبله»، نعم إنَّه انشغل عن الشهوات الأخرى بالعقاب الشديد عن ذنب واحد اقترفه ثم رجع للحق بنفسه فمحى ما فيها من شهوات منحطة وستر هذا الإنسان منها فشفاه ومحاها ولن يراها وحسب التفصيل الذي فصَّلناه آنفاً، كما يهدي به المؤمن كثيراً ويرقِّيه من حال إلى حال أعلى، والحمد لله على كل حال.

أما كلمة {..وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}: الخارجين عن طريق الحق، فهي تبيِّن لنا أن الله تعالى لا يحجب عن رؤية ما في المثل من الخير إلا الفاسقين، لأنه تعالى لو أراهم ما في المثل لما استخفوا ولما قالوا كلمة الإثم، ولما ساق الله تعالى لهم ذلك العلاج وبذلك يبقى الخبث كميناً في نفوسهم وتظل أنفسهم بذلك عرضة لازدياد المرض وتفاقم العلل.
فمن خرج عن الحق امتلأت نفسه بالرذيلة يُضله عن واحدة "أي عمَّا وراءها" حتى يقع ليؤدِّبه فلعلَّه يتوب وتطهر نفسه من مئات الأدران.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى