تأويل سورة الماعون
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
المكذّب بالدين: امرؤٌ معرض عن الخالق منبع الكمالات ومنار ينابيع الهدايات وموئل الخيرات، من أشاح عنه تعالى فقد أشاح عن الجنّات، وأضاع المكرمات وبالأمراض النفسيّة باء فتحوّل لدنياه الدنيّة إثر حرمانه لنفسه من الرحمة والإنسانيّة وبذا فقد فتح وعاء نفسه وسقاءها إلى الدناءة والانحطاط، فانصبّ فيها الجفاء والقسوة وعدم الوفاء، وكان البخل والجبن إلفه وأليفه، والكذب والخيانة حليفه وكان نبراساً للدنيء من الأخلاق.
ترى وأرى في تضاعيف هذا الكتاب القيّم الثمين أنّ صفتيه من دعِّ اليتيم وعدم الحضِّ على طعام، كاشفٌ من الكواشف التي تُظهر حقيقة هذا الإنسان المحروم من كلِّ عطفٍ وحنان، فاحذره أكثر ممّا تحذر الكاسر من الوحوش والضاري من الحيوان، فهو الوحش المعب المختبئ في جلد إنسان، بل هو أشر من كلّ مخلوق وأخطر من كلِّ حيوان، وسبب ذلك كلّه عدم سلوكه عمليّاً طريق الإيمان.
فاحذر على نفسك وأشفق من الحرمان وسوء المصير واسمُ بالإيمان الحقّ إلى المقام العالي الرفيع، مقام الأُنس بالله وبك تأنس الخلائق غبطةً أبدية بالجنان.
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت الآية (6)
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم ما تأويل الآية (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..)؟ مع الشكر.
يقول تعالى: {..وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً..} سورة آل عمران: الآية (97). قلب العبد بيت الرب، كل إنسان له بيت تبيت نفسه فيه وله فكر، فأعطاه الله الإمكانيات ووضع له آيات كونية، فعليه أن يفكر بهذا الكون وأن يخرج نفسه من الظلمات إلى النور ويعرِّفها على صانع هذا الكون وموجده وهو خالقه الذي يمدُّ الكون ويمدُّه بالطعام والشراب والحياة، {..وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى..}: فليفكر كما فكر سيدنا إبراهيم عليه السلام، فالله أعطاك هذا التفكير وله حق عليك أن تستعمله وأن تصل بواسطته إلى أن تشهد ألّا إلۤه إلا الله، وأنت تشهد طرفاً من صفات الله لا مجرد قول، بل كما شاهد سيدنا إبراهيم، فاسلك مسلكه الإيماني فهو القدوة والنموذج الإنساني الكامل، وهو الذي أقام الحجة لنفسه عن وجود الله، وشاهد أنواره وتسييره وحبه له وللخلائق، فعليَّ وعليك أن نسلك نفس هذا المسلك، لأنه هو حق الله علينا، ولله على الناس حج البيت، إذا طلبت ربك بصدق ساعدك الذي يبيت في قلبه شهود الله وحبه الأعظم وأنواره تعالى وتجلياته القدسية، إذن فلله علينا أن نقيم الحجة لنفوسنا لنؤمن بالله ونشهده، فبالمجال الإيماني هذا وحين نطلب لقاء وشهود ربنا يغمرنا رسوله صلى الله عليه وسلم بنور المشاهدة لحضرة الله فنشهد ألا إلۤه إلا الله وذلك بإنارة رسوله صلى الله عليه وسلم لنا بنوره الموصل لنور الله فنرى ونغدو من أولي البصيرة فنميّز خيرنا من شرنا ونكسب الخيرات ونلاقي ربنا عند الموت بوجهٍ أبيضٍ وندخل جناته. إذن: هناك صحبة إيمانية لقلوبنا مع قلب رسول الله أثناء الإيمان فهو الذي يزور كل طالب ربه بروحانيته المنيرة ليشهد المؤمن فيغدو تقياً مستنيراً. فبإقامته الحجة لنفسه على وجود الله ومشاهدته طرفاً من صفات الله مشاهدة قلبية يقينية يقابل الإحسان بالإحسان، فإذا استطعنا نذهب إلى الكعبة البيت الحرام لنزور من زارنا حيث تتواجد نفسه النورانية في الكعبة بيت الله الحرام، إن استطاع الذهاب إلى الحج، وهناك أيضاً يقيم برسول الله ﷺ الحجة على نفسه وعلى الشيطان ويُحرَّم عليه الشقاء وتُحرَّم على جسده النيران، فهذا حق الله علينا جميعاً بما وهبنا به من تفكير وآيات كونية لنصل إليه تعالى وصولاً شهودياً يقينياً بسبب مساعدة رسول الله بأنواره القدسية الدائمية وبسبب صدقنا بالوصول لربنا. ثمَّ يكون رسول الله ﷺ حجيجه: {..وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ..} سورة آل عمران: الآية (97). السفر والحج يذهب للحج. فالذين آمنوا هذا الإيمان أحق بالأمن دنيا وبرزخ وآخرة، هكذا عاهدنا ربنا منذ الأزل والآن وفينا بهذا العهد وخرجنا من الظلمات إلى النور الذي نمشي به بين الناس.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].
السؤال هو كالتالي:
لم قال تعالى بأنه في حالة الوضوء يجب غسل الأيدي إلى المرافق {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} بينما قال عن الأرجل إلى الكعبين {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} لِمَ لمْ يقل عن الأيدي أيضاً (أيديكم إلى المرفقين) أو العكس (أرجلكم إلى الكعاب)؟ أرجو شرح هذه النقطة... شكراً
بالنسبة للآية: {..فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ..} بأن أيديكم جمع لذلك أتت المرافق بالجمع أيضاً، وليست هناك مشكلة لغوية، أما بالنسبة للرِجلين فإن لكل رجل كعبين اثنين، لذلك أتت بالمثنى لأنها مثنى وهذه قاعدة لغوية صحيحة الجمع يضاف للجمع وللمثنى بالتثنية وذلك هو الصحيح.
قال الله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{9} وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{10} مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{11} وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ{12} اللَّهُ لَا إلۤه إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ{13} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{14} إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{15} فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{16} إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ{17} عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
- ما هو يوم التغابن؟
- بأي شكل تكون الزوجة عدوة الرجل، وكيف يكون الأولاد أعداءً لأبيهم؟
ومن مسرى الآية يتوضح أن الرجل ليس له علاقة بنشوء هذا المعاداة، وذلك لأن الله تعالى يحذر المؤمنين من هذه المعاداة.
- كيف يحذرهم من معاداة الزوجة والأولاد ثم يعود جل شأنه لحض المؤمن على الصفح والعفو والغفران؟
- كيف يقرض الإنسان ربه قرضاً حسناً، مع أن الله مالك كل شيء وخالق كل شيء؟
بسم الله الرحمن الرحيم
9- {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ..}: أيها الخلق، يجمعكم جميعاً، يجمع ذرات أجسادكم من الأرض وينفخ فيها الروح فيحيى الجسد وتحيط نفوسكم بأجسادها، وبهذا جمعٌ للجسد والروح والنفس مع بعضهم من بعد أن تفرقوا. {..لِيَوْمِ الْجَمْعِ..}: ليوم الحساب والجزاء، تُجمع فيه كافة جموع الخلائق. {..ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..}: يرى كل واحد حصيلة عمله، بهذا اليوم تنكشف الحقائق فيرى كل كافر كيف غبن نفسه وغبن غيره، أي كيف خدع نفسه بالدنيا وما فيها وظنها شيئاً فإذا هي ليست بشيء، "عندئذ يراها" والله كلُّ شيء. يرى كيف خدع غيره، فالكافر بحبه للدنيا وكفره يتمنى الكل أن يكونوا مثله ويعمل من أجل هذا. {..وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ..}: بلا إلۤه إلا الله ويصبح له نور من ربه يرى فيه الخير خيراً والشر شراً، هذا يخلص من غبن نفسه وغيره ولا يُخدَع بالدنيا وشهواتها. {..يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ..}: يمحي له سيئاته فلا يعود يرى غير ما عمل من خير، فكل شيء يسوؤه يمحيه الله له من نفسه. {..وَيُدْخِلْهُ..}: بما قدَّم من أعمال صالحة. {..جنات..}: من جنة لجنة أعلى، دائماً بشهود لحضرة الله. فالجنة هي مشاهدة وجه الله الكريم خالق الجمال. {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} سورة القيامة (22- 23). فهذا المؤمن الذي آمن وعمل صالحاً دائماً نفسه تتنقَّل من شهود لجمال الله سبحانه إلى شهودٍ أعلى وأعلى إلى ما لا نهاية. {..تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار..}: كل ما خلق الله باقٍ لا يزول، عدمٌ لا يكون، كذلك يتمتع المؤمن بالخيرات المادية. {..كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً..} سورة البقرة (25). {..خَالِدِينَ فِيهَا..}: إلى ما لانهاية. {..ذلك..}: أيها الإنسان، اطلبه واسعَ للوصول إليه ولن تصل إليه إلا إذا آمنت وعملت صالحاً.
{..الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: لا بالدنيا وما فيها من شهوات من مال ومنصب ونساء وأولاد.
10- {وَالَّذِينَ كَفَرواْ..}: ما فكروا، أنكروا نعمنا، {..وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا..}: بما أنزل الله على رسوله من بيان سام ٍ عال ٍ ليسمو بهم ويعلو بهم في الجنان. {..أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ..}: يصاحبون النار ويرمون أنفسهم بها لشدة ما فيهم من آلامٍ وندمٍ على ما جرَّه تكذيبهم لهم من خسارة، كذلك بالدنيا حياتهم ضنك وشقاء، ويقولون نشعر بالنار داخلنا. وما هذه النار إلا نار الشهوات المحرَّمة والتي ستكون سبباً لدخولهم نار الله الموقدة. {..وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: سيعود عليهم تكذيبهم لدلالة الله بالبؤس والسوء دنيا وآخرة.
11- {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ..}: ما يصيبك أيها الإنسان من مكروه كالمرض والفقر والذل والهم والشقاء. {..إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ..}: ليس لأحد فعل ولا حول ولا قوة، عملت سوءاً عاد عليك عملك بالسوء وما أرسلها الله لك إلا حباً ورحمة لتؤمن وتتوب. {..وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ..}: بلا إلۤه إلا الله ويؤمن برسول الله. {..يَهْدِ قَلْبَهُ..}: يعرف السبب الذي من أجله حلَّت المصيبة فيحسِّن سلوكه. {..وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: عليم بك أيها الإنسان وبما يناسبك لذلك أرسل لك ما أرسل.
12- {وَأَطِيعُواْ اللّهَ..}: بما أمرك به، أمرك بالتفكير بالكون أطعه لما فيه من خيرك وسعادتك. {..وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ..}: بما يبينه لكم عن حضرة الله. {..فَإِن تَوَلَّيْتُمْ..}: أعرضتم عن بيانه ودلالته، ما فكرتم وما آمنتم. {..فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ..}: وظيفته الإرشاد فقط، ليس بيده شيء، وأنتم لكم الاختيار ولا يستطيع غير دلالتكم وإرشادكم. {..الْمُبِينُ}: يبيِّن لكم، بيانه دلالته بيَّنتَ كلَّ شيء، وكذلك أعماله صلى الله عليه وسلم كلُّ هذا يدل على أنه رسول الله.
13- {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلّا هُوَ..}: لا مسيِّر ولا فعَّال إلا الله سبحانه فلا تخشَ أيها الإنسان غيره. {..وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: المؤمن فقط يتوكل على الله، غير المؤمن لا يستطيع، المؤمن مشاهد ربَّه، غير المؤمن غير مشاهد فكيف يتوكل على شيء لم يشاهده ولا يعرفه! المؤمن بمعية رسوله شاهد أسماء الله الحسنى، شاهد رحمته حنانه عطفه، عدله، قوته، لذلك يوكِّل الله بكلِّ أموره.
14- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..}: خطاب وتحذير للمؤمنين: {..إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ..}: وهذا هو الواقع اليوم والحقيقة ولا يراها إلا من صار له نور من ربه. الزوجة إن لم تسلك بطريق الإيمان ستعادي زوجها من أجل شهواتها بالخفاء أو تجهر له بالعداوة وتستعين بمن مثلها من الكفرة " أهلها " لتحوِّل زوجها عن طريق الحق.
بالأوَّل مكر وخداع، ثم إن لم تفلح تجهر له بالعداوة، ومن النساء من تلجأ إلى السحر والسحرة.
كذلك الأولاد بعلاقتهم مع أمهم وعدم تفكيرهم، إن كانوا صغاراً يميلون إلى أمهم ويعملون معها ويُخشى على الأب بما في قلبه من رحمة أن يؤثِّروا عليه وأن يتحوَّل عن الحق.
{..فَاحْذَرُوهُمْ..}: كونوا حذرين منهم لئلا يحوِّلوكم عن الله. {..وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا..}: لكن لا يمنعكم هذا من حسن المعاملة. بالمعاملة الحسنى والرحيمة قد تُغيَّر الزوجة والأولاد، ويسيروا بالحق. {..فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: يرسل لهم علاجات ومصائب ليشفيهم ويرحمهم. كذلك بصبرك عليهم تُشفى أيها المؤمن.
15- {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ..}: امتحان، لا تُعادل مالَك وأولادَك بالله، الله أرحم، أشفق، أحن. {..وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: إن جاهدتم ولم تمش ِ بالعاطفة معهم، لك على هذا أجر وفضل كبير فلا تضيِّعه.
16- {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ..}: انظروا بنوره حتى تشاهدوا الحقائق فلا تُخدعوا. {..وَاسْمَعُوا..}: طبقوا ما يأمركم الله به. {..وَأَطِيعُوا..}: الرسول بما يأتيكم من أوامر عن الله لئلا تقعوا بالفتنة. {..وَأَنفِقُوا..}: اعملوا المعروف، جاهدوا بأنفسكم، لا تعطِ نفسك هواها، فلا تجعل لزوجتك وأولادك تأثيراً عليك. {..خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ..}: بالإنفاق والجهاد العائد عليك بالخير والسعادة والنصر. {..وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ..}: شهواتها. {..فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: دنيا وآخرة. بهذا يكون قد هيَّأ نفسه لنيل الخيرات من ربه.
17- {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً..}: من عمل معروف وزكاة. الكلمة إن تكلمتها أعطاك الله عليها فضلاً كبيراً، أنت جئت للدنيا لتكون من أهل المعروف. {..يُضَاعِفْه ُلَكُمْ..}: إلى ما لا نهاية. {..وَيَغْفِر ْلَكُمْ..}: يشفي نفوسكم مما علق بها بالماضي، حيث النفس بعمل الخير والمعروف والإحسان يصبح لها وجه أبيض تستطيع الإقبال على الله، فيسري النور الإلۤهي بها وتشفى مما بها. {..وَاللَّهُ شَكُورٌ..}: سيعطيك على ما عملت أجراً كبيراً. {..حَلِيمٌ}: عليك. "من فضله عليك أن خلق الفضل ونسبه إليك"
18- {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ..}: يعلم الماضي والحاضر والمستقبل. {..العَزِيزُ..}: لا يأتي الخير إلا منه سبحانه. {..الحَكِيمُ}: بالحكمة والوقت المناسب، حكيم بكم وبما يناسبكم.
والحمد لله رب العالمين.
قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)}
- هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاور النساء ويستمع إلى قضاياهن؟
وجاء سؤالي هذا بعدما اطَّلعت في موقعكم على بحث الحجاب الإسلامي الصحيح، وقرأت الآيات الكريمة التي تقول بأن صوت المرأة عورة.
- لم أتت كلمة (تجادلك) في الآية الأولى ولم تأتِ مثلاً (تشتكي إليك)، فالمجادلة حسب مفهومي تعني الحوار العقيم وعدم الوصول إلى نتيجة؟ وبعدها انتقل الجدال إلى حوار بكلمة (والله يسمع تحاوكما)!
- ما معنى كلمة (يظاهرون) في الآية الثانية وما علاقة أمهاتهم في الموضوع؟
- وفي الآية الثالثة لم جاءت كلمة (من قبل أن يتماسا)، ولم تأتِ (من قبل أن يتلامسا)، مع أن المس معنوي واللمس مادي؟
أخي السائل: قبل الدخول في تفاصيل أسئلتكم الكريمة من الضروري شرح بعض الآيات ليكون الشرح أساساً في الإجابة على أسئلتك.
1- {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا..}: وهي امرأة أحد المسلمين، جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محجبة ساترة لوجهها تطلب الطلاق "والواقعة بالمدينة والحجاب مفروض"
{..وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ..}: من هجر زوجها لها واعتبارها كأمِّه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرضَ لها بطلاقها، وهو صلى الله عليه وسلم القائل: «إنَّ أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، فهو صلى الله عليه وسلم لا يحب التفريق بين الرجل وزوجته لما فيه من ضرر وأذى على الأولاد، لكن وهي بثورة غضبها من زوجها تجادل رسول الله وتصر على الطلاق وتقول له أنها مظلومة عنده، وهي تكرهه لما فعل معها وأساء لها ولا تريد العيش معه.
الرسول استمع لها حتى ذهب غضبها عنها، وبعد ذلك انقلب الجدل العقيم إلى حوار مفيد لذلك قال تعالى: {..وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا..}: صارت تسمع من رسول الله وتفكر بكلامه فوجدته صحيحاً وتراجعت عن رأيها، وهنا بهذه الآية إشارة إلى أن يؤمن الإنسان بأن الله يسمع السر وأخفى.
{..إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ..}: لأقوالكم. {..بَصِيرٌ}: بأحوالكم، فكل ما يطرأ على النفس من حال من أحوال يعتلج فيها من حب وكراهية ورضى وعدمه وخوف وإيمان فالله سبحانه بصير به ويرسل لهذه النفس ما يناسبها، لذلك جعل سبحانه حلاً لهذه القضية وفرض كفارة.
2- {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم..}: مثلاً يقول إنكِ حرام عليَّ منذ اليوم أو حرامٌ أن أقربكِ "يتركونهن" يقول لها أنت عليَّ كظَهر أمي ويهجرها.
{..مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ..}: هذه المرأة ليست أمك، هي زوجة وللزوجة حق.
{..إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً..}: خارجاً عن الحق، فهل كان يأتي أمه بالسابق ويقاربها.
{..وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ..}: لمن يقبل عليه سبحانه. {..غَفُورٌ}: ويطلب الغفران والشفاء وهذا الشيء لم يكن معلوماً في الجاهلية.
3- {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ..}: يجعل ظهره لظهرها علامة الابتعاد.
{..ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا..}: يرجعون ويفكرون بما قالوا ويتراجعون عنه هذا يترتب عليه كفارة وهي: {..فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ..}: يشتري عبداً من كافر فيرشده ثم يطلقه أو يشتري عبداً من مؤمن ويطلقه وهذا الحد بهذا الزمان غير موجود.
{..مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}: أن يقربها وهنا المس الناتج عن اللمس علاقة نفسية ناتجة عن المقاربة اللمسية {..ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ..}: رحمة بكم ولخيركم وسعادتكم.
{..وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: خبير بكم وبما يناسبكم، لذلك جعل لكم هذا الحد فطبِّقوه حتى لا تمنعكم هذه المخالفة والمعصية وهذا العمل عن الإقبال على الله سبحانه.
4- {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ..}: تربية لكل من المرأة والرجل. الرجل يصوم شهرين متتابعين دون انقطاع إذا مرض فيهم يفطر ثم بعدها يكمل مباشرة ما تبقى عليه من صيام لأن المرض من الله فلا يعيد الصيام من أوَّله.
{..مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}: أن يقربها وتعود العلاقة النفسية.
{فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً..}: يطعمهم ثلاث مرات لكل يوم واحد.
{..ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..}: معنى هذا أنه كافر، كفر حين قال كلامه هذا لو كان هذا الرجل مؤمناً حتماً لما فعل ذلك.
{..وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ..}: «ألا إن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله محارمه»
والذي يقترف مثل ذلك ولا يؤدِّي الحد فإنه يعرض عن ربه وله عذاب أليم. {..وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
ولكن ما السبب في تشديد رب العالمين على هذا الأمر؟
بالماضي كانوا أهل صدق إذا قالوا كلمة لا يتراجعون عنها ويقرنون القول بالفعل، هذا الزوج إذا طبَّق ونفَّذ ما قال وأصرَّ عليه سوف تقع زوجته بالفاحشة والزنى، فإن كان ليس بمقدورها الوقوع بالزنى بسبب موانع تمنعها فإنها سوف تسلك طريق الباطنية وتقع بالزنى والفواحش مع شياطين الجن، وبهذا الوقوع قتلٌ لنفس الزوجة وتدميرٌ لها وللمجتمع الإسلامي والرسول موجود ويحدث هذا!
فهذا شيء كبير عند الله والرسول والله لا يرضا لعباده ذلك، ولهذا القائل عذاب أليم لأنه كان سبباً في دمار زوجته ففرض تعالى هذا الحد.
- أما عن سؤالك هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاور النساء ويستمع إلى قضاياهن؟
وفي الجواب على هذا السؤال أقول لك:
إن الرسول لا يحاور النساء ولا يستمع لهن، فالنساء تحاور النساء والرجال مع الرجال وهذا هو القانون ولا مخرج عنه، لكن هذه الحالة التي حدثت مع رسول الله ليست قانوناً هذه حالة استثنائية طارئة اضطرارية. المرأة مظلومة والله سبحانه شهد لها بأنها مظلومة، وزوجها لا يشتكي على نفسه، لذلك خرجت من بيتها وقابلت رسول الله وهي بسترها واشتكت على زوجها، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الحاكم والقاضي، ألا يستمع إليها ويحكم بقضيتها؟! وقضيتها كبيرة فيها دمار نفس وموتها ودخولها النار في الآخرة.
إذن: ما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال وظرف طاريء فإذا كنت تسير بأحد الشوارع وسمعت صوت نساء يصرخن ويستغثن لأن بيتهن يحترق وهن فيه سيحترقن ألا تدخل لإنقاذهن من النار؟! وإذا دخلت بهذه الحالة فمن يلومك ويتكلم عنك بالسوء بل القول هو الثناء والمديح.
والله سمح بحالات ضرورية أن يتكلم الرجل مع المرأة من وراء ستر وحجاب كما قال الله تعالى بسورة الأحزاب (53): {..وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..}:
وهذه المرأة خاطبت رسول الله من وراء حجاب، فهل خرج رسول الله عما شرع الله؟ حاشا.
وهل هذه المرأة خرجت عن شرعه سبحانه؟ لا لم تخرج. إذن: يجب أخذ الظروف بعين الاعتبار.
وتسأل: لمَ أتت كلمة تجادلك والجدال غير الحوار، الجدال عقيم.
بالبداية كانت المرأة في ذروة غضبها وكانت تجادل رسول الله بطلاقها وتطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يطلقها من زوجها. لكن الرسول يجمع ولا يفرق والذي يفرِّق هو الشيطان. إذن هي تطلب من رسول الله شيء عقيم لا يحقِّقه صلى الله عليه وسلم لها، بتسرُّع وهي مصرَّة وتجادل الرسول وتطلب الطلاق.
رسول الله صلى الله عليه وسلم برحمته الكبيرة ولطفه استطاع إخماد غضبها وصبغها بصبغته الإلۤهية العالية، فذهب عنها غضبها عندها انقلب جدالها إلى حوار مع رسول الله والحوار للفهم وكشْفِ الحقيقة والسير بها، وهي بعد أن هدأت نفسها وذهب الغضب عنها وفهمت مراد رسول الله وانصاعت لأمره وتراجعت عن رأيها بالطلاق، وبهذا انقلب الجدل العقيم إلى حوار مفيد.
أما عن سؤالك عن معنى كلمة {يُظَاهِرُونَ}:
أي يعطيها ظهره عند النوم ولا يقاربها.
وتسأل: عن كلمة {يَتَمَاسَّا} ولمَ لمْ تأتِ (يتلامسا) لأن المس معنوي واللمس مادي؟
فأقول: إن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة حقيقتها علاقة نفسية تحدث رابطة بين نفسيهما تستفيد المرأة منها إن كان زوجها مؤمن في الآخرة، وهذه العلاقة تنقذها من النار إن كانت مطبقة حدود الله من حجاب وصلاة وصيام وزكاة وأعمال وهذه الزوجة التي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطعت علاقتها النفسية المعنوية مع زوجها بسبب كرهها له بما قام به وفعل معها لذلك جاءت كلمة {..مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}.
لكن الزوجة حين ترى ما أنفق الزوج من أموال على من حرَّر من عبد أو كيف ضحَّى وصام وأنفق على الفقراء من مال وكل هذا من أجلها ومن أجل إعادة علاقته بها فإنها تتوجه نفسها له بالمحبة، فتعاد العلاقة النفسية ويحدث المس وبعدها يأتي اللمس ويتم النقص.
قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}.
لماذا استخدم رب العزة سبحانه وتعالى كلمة الناس بدلاً من الرجال لأن بعد كلمة {..حُبُّ الشَّهَوَاتِ..} جاءت {..مِنَ النِّسَاء..} فارجوا من حضرتكم التوضيح.
كلمة "الناس" اسم جنس لبني آدم، وقد سمُّوا بالناس لأنهم بمجيئهم لهذه الدنيا وخروجهم لعالم الصور والأجساد نسوا ما كانت عليه نفوسهم في عالم الأزل من معرفة بالله تعالى.
إذن الناس بمجيئهم إلى الدنيا نسوا عندما انقطعوا عن الله ولبسوا الدنيا وجاؤوا إليها نسوا عهدهم مع الله ونسوا ربهم فمالوا للدنيا وغرَّتهم.
فبالآية الكريمة {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء..} والله تعالى يخاطبهم بالصفة التي جعلتهم ينفتنوا بالدنيا، وهي نسيانهم لربهم وعهدهم معه الذي قطعوه على أنفسهم وهو الاستنارة بنوره تعالى.
وفي نهاية الآية: {..وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}: أي إذا تعرَّف على الله فآمن فيجعل الله في قلبه نوراً يشاهد به حقائق الشهوات المؤذية الضارَّة فيتركها في سبيل الله فيعيدها الله له بوجوه عالية حسنة فيستعملها عندها بالخير والصلاح ويتقي شرورها فيعامل نساءه لا لشهوة فانية منقضية بل من أجل الإنقاذ وإخراجهن من الظلمات إلى النور والسعادة فالجنة بعد إيمانه بالله.
الأولاد يربيهم تربية صالحة فيعملون أعمالاً صالحة بصحيفته كذلك الأموال ينفقها في وجوه الخير والوجوه العالية.
والخيل يستعملها في الجهاد في سبيل الله وجميع الشهوات التي كانت ستهلكه. إذ عاد إلى الله وأخذها بنور الله تكون له بمثابة مدارج ومعارج لجنات.









