تأويل القرآن العظيم

تأويل سورة الهمزة

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

بعد كلّ هذا التحذير والإنذار والوعيد، بعد كلِّ هذه النتائج التي حدثت وتحدث في كلّ يوم وليلة، كيف لا نرى من خلالها أن لا منجى من الله إلا بالله ؟!
فما المادة إلا ظلٌّ قاتم وحجاب كثيف يزيد النفس بعداً عن الله وذكره، ومن أعرض عن ذكر الله فله معيشة ضنكاً...
كيف يذهب هذا الإنسان ويتمادى في دنياه و لايتّخذ من صالح الأعمال في هذه الدنيا سفناً، كيف له أن يؤمّل بالمال ويسعى لاهثاً وراء جمعه، ميتِّماً نفسه من نورها الأزلي الذي منحها الله إيّاه لتزيده بسعيها وتكسب به الإيمان والصلة به تعالى ومحبّة رسولها ﷺ الذي يقربها من ربّها.
إذن العبرة للتفكير الجادّ بكلامه تعالى، وليس المرور عليه مروراً عابراً بمفيد إن لم نتدبّر آياته ونجعل لها قراراً بنفوسنا يردعنا أو يبشِّرنا ويرغّبنا. و لايتمّ ذلك إلا بالإيمان الحقّ. اللهمّ لاتجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا ...


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل سورة الهمزة

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل سورة الهمزة

  • مقدمة المحقق
  • تأويل سورة الهمزة

  • عنوان الكتاب: تأويل سورة الهمزة
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 1.7 MB
  2. ePUB: 0.20 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

أريد تأويل الآية الأولى من سورة القلم لو سمحتم.


بسم الله الرحمن الرحيم {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} سورة القلم الآية (1). {ن..}: هذا القرآن الذي تتلوه يا محمد ﷺ في حقيقته نورٌ خططناه في قلبك لتخطّه في قلوب من يلتفت إليك بالتقدير والمحبة، ومن ذلك قوله ﷺ: (ما صبّ في صدري شيء إلا وصببته في صدر صاحبي أبو بكر)، وكذلك ما صبَّه سيدنا موسى عليه السلام في نفوس السحرة حينما سجدوا له فأصبحوا مستنيرين، وفتَّحوا بعد عمىً فشاهدوا به ما شاهدوا؛ شاهدوا به أسماء الله الحسنى وهاموا حتى شاهدوا به مجريات الآخرة وأهل الجنة وأهل النار، وكذا الصحابة الكرام "رضوان الله عليهم" الأقوياء جميعاً إلا ما ندر استناروا به ﷺ وخرجوا من الظلمات على النور وأخرجوا العالم أيضاً من الظلمات إلى النور. قال تعالى: {..مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً..} سورة الشورى: الآية (52): أي القرآن الكريم هو النور. ن: القرآن الكريم نور تنزل عليك يا محمد صلى الله عليك وسلم يضيء للمؤمنين سبيل التقوى والاستنارة بنور الله. يقولون: (العلم نور..)؛ وهذا هو العلم الحقيقي، ولا علم سواه بهداية البشر، قال ﷺ: (هو نور الله المبين وحبله المتين من تمسك به نجا..): كالدولة العثمانية حينما تمسكت به هدوا الأمم. (..ومن تركه لغيره هلك) كالأتراك حينما تَرَكُوا تُرِكُوا.

وإذا كان (العلم نور) فكيف إذن القرآن الكريم كلام الله العظيم، ومنبع كل العلوم التي هدى بها ﷺ العالمين إلى الخير والصلاح وملأ أطباق السموات والأرض، هذه العلوم التي جاء بها ﷺ عن الأقوام السابقة واللاحقة وعن الآخرة إنما هي من القرآن الكريم، وكذلك العلم بأسماء الله الحسنى التي فيها هديت الأمم إلى الخير والصلاح. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} سورة النساء: الآية (174). وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ..} سورة المائدة: الآية (44). فكلام الله تعالى في التوراة كذلك في القرآن الكريم نور للمؤمنين وللمتقين، وهو النور الباقي أبد الآباد لهداية بني البشر. والقلم: قلم القدرة الإلۤهية التي تسري من الله إليك وإلى الناس، أي ما يخطّه الله في قلبك وقلب من يتّجه إليك من معاني القرآن المضيئة.

وما يسطرون: هذا القرآن الكريم الذي سطره كتبة الوحي ونشره الصحب الكرام "رضي الله عنهم" واهتدت واستنارت به أمم كثيرة، تمسكوا به فرفع الله شأنهم على العالمين كأهل الشام حينما أصبح العصر الذهبي للإسلام في دمشق، ومن بعدهم المماليك والأكراد والعثمانيين وكذلك كثير من أمم الهند والسند والتتر المسلمين بزمن الأمير تيمور (تيمور لنك) حينما أصلح الأمم الإسلامية، ونشر الإسلام في دول القوقاز حتى يومنا هذا.

وكلهم رفع الله شأنهم دنيا وآخرة فكانوا مناراتٍ للهدى بهدي القرآن، هذا النور الإلۤهي العظيم (كلام الله) وما ورد في هذه الآية الكريمة {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}: دليل على أنك ما أنت بنعمة ربك، أي بما أنعم الله عليك بهذا القرآن الكريم، لست بمجنون، أي ليس الحق بمستور عليك.

سيدي الكريم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحبّ أن أعرف لِمَ سُمِّيَتْ سورة فُصِّلَتْ بهذا الاسم؟ أي بـ "فُصِّلَتْ" وشكراً لكم.


لقد أجابك تعالى على سؤالك هذا بقوله: {حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
وقد بدأ تعالى بتفصيل بداية الخلق، خلق السموات والأرض، بعد إذ كانت نفوساً مجردة لا حجم ولا حول ولا قوة ولا شيء لها، وكيف أمدّها بناء على طلبها أن تكون مسخرة للإنسان بالآيات بعدها: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ..}: أي ليل ونهار، تَؤُمُ إليها في دورانها. {..وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)}: أي بالفصول الأربعة، إذ أن سبب حصول الفصول الأربعة الليل والنهار. {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
واستمر التفصيل إلى نهاية السورة بناء على قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ..}: على أبو الحكم وأبو سفيان وعلى الكفرة من صناديد قريش. {..وَعَرَبِيٌّ..}: واضح واسع البيان على أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
معنى ذلك أنّ آياته قد فُصِّلت، ووضح وتبيّن كلّ شيء للمؤمن عن طريقها، كما آمن أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأنّ القرآن يفهمه المؤمنون، لقوله تعالى: {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ..} [فصلت: 44].
فاسلك يا أخي سبيل الإيمان الشهودي تجد التفصيل أمام عينيك نيّراً واضحاً، يوصلك إلى الإيمان بلا إلۤه إلا الله فتغدو من أهل السعادة والأمان والاطمئنان، طوبى لهم وحسن مآب.

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي سؤال حول الآيات (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي..) سورة طه {25-35}، و (وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون) القصص {34-35}.
هل سيدنا موسى لا يستطيع مواجهة فرعون لوحده حتى طلب أخاه هارون؟ أم لا يستطيع أن يتكلم بسبب عقدة بلسانه أو لأنه أقل فصاحة من سيدنا هارون؟ فما حقيقة هذه الآيات أو تأويلها لأن الآيات التالية تشير أنه تكلم هو وواجه القوم وغلبهم. أرجو التوضيح وجزاكم الله خير الجزاء.


الحمد لله رب العالمين الذي بعث الأنبياء منذرين ومبشرين فكانوا قدوة للعالمين بما تحلت نفوسهم من صفات سامية عليَّة، وتخلّت عن كل شائبة ورديَّة فكانوا بذلك نبراساً للأمم والأجيال تلو الأجيال.
فها هو سيدنا موسى عليه السلام يعطينا درساً في المودة والإخاء تجاه أخيه هارون (عليه السلام) بل ويعطي العالمين أجمعين بما أُنزل في الذكر الحكيم.
وكما هو معروف أن سيدنا موسى عليه السلام أثناء إقامته في قصر الملك (فرعون) كان يذهب إلى أخيه هارون سرّاً ليتلقى عنده الدروس الدينية العلية ويترقى في مدارج الكمال يوماً بعد يوم وهاهو الآن قد أُهّل لأن يكون للناس إماماً بعد أن تخرج من مدرسة سيدنا شعيب، وكلَّفه الله عزَّ وجلَّ وقلَّده الرسالة ليبلِّغ العالمين دلالة ربهم الرحيم:
{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} طه [12-24].
فهذا التكليف وهذا المقام الذي بلغه سيدنا موسى لم يبلغه أحد في زمنه، وهذا النوال العظيم الذي ناله بأن يكون سفير رب العالمين لعباده، لذا أحب سيدنا موسى أن يشرك أخاه سيدنا هارون في ذلك العطاء العظيم لأن نفسه عليه السلام قد جبلت على حب الخير والإحسان و"ابدأ بالإحسان من بدأك بالإحسان"، ولم ينسَ سيدنا موسى عليه السلام الفضل الذي ناله عن طريق سيدنا هارون إذ كان في يوم من الأيام مريداً صادقاً عنده وكان سيدنا هارون نِعْمَ المرشد الأمين والناصح الرحيم، والآن قد آن الأوان لأن يردَّ له المعروف والإحسان ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فطلب من ربه أن يجعل سيدنا هارون وزيراً له وأن يشركه في أمره فيصبح رسولاً وهذه أسمى وأعلا الرتب العليَّة، وعندما رأى الله عزَّ وجلّ ما يكنُّه سيدنا موسى من حب الخير وردِّ الجميل والله مع الخير والمعروف فقبل طلبه وقال : {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} طه [42]، وفي سورة الشعراء قال سيدنا موسى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} : شخص متهم قد قتل نفساً فكيف يذهب لأهل المقتول وفرعون ملك جبار طاغية ولهم عليه هذا الذنب أما عن الآيات في سورة طه {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} لأن الكلام بحسب السامع، فالمؤمن يضيق صدره من مواجهة الكافر بسبب الصدود والإعراض الذي يلاقيه في نفوسهم، فسيدنا موسى يعرفهم ويعرف إعراضهم عن الحق فطلب من ربه أن يشرح صدره وييسر أمره حتى يستطيع الكلام والبيان. كيف؟ بأن يرسل هارون أخاه معه فيكون له أنس وأنيس فهو يعرف سيدنا هارون وصفاء نفسه ونقاءها وطهارة هارون وصلاحه فطلبه معيناً لكي يؤازره ويسانده قلبياً في التبليغ، فيرى أذناً صاغيةً سامعةً للحق ونفساً عاليةً مقبلةً على ربها، فيركن لهذه النفس الصافية الزكية قلباً، عندها ينطلق لسانه لهداية الكافرين المعاندين ويستفيض في الشرح والبيان براحة قلبٍ واطمئنان.
ومن المعروف أنه إذا كانت النفس مرتاحة مطمئنة تجود بما عندها من البيان أما إذا كانت منكمشة مضطربة فلا تستطيع الكلام فبوجهة سيدنا موسى إلى أخيه هارون المقبل بنفسه على الله يرتاح ويستأنس به على مواجهة وهداية هؤلاء المعرضين (فرعون وقومه).
فبارتياح سيدنا موسى وانشراح صدره بتوجهه لأخيه هارون النقي التقي تنحلل العقد وتنفرج الأسارير وتسري الحكم من قلبه على لسانه، فلا عقدة بلسان سيدنا موسى ولا غيرها مما يدعيه عميان القلوب فالأنبياء أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً والله اصطفاهم واختارهم مبلغين فهم أفصح الناس وأبلغهم وأكملهم صورةً وحقيقةً.
فما كان كلام سيدنا موسى مع ربه إلا لكي يشرك أخاه هارون في أمره لينال الخير والفضل العميم بهذا التكليف العظيم من رب العالمين، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والآيات تشير أن سيدنا موسى هو المتكلم وهو الذي واجه القوم وحده، أما سيدنا هارون فلم ينطق بكلمة واحدة، بل كان في ذكرٍ دائمٍ لربه متجهاً لسيدنا موسى يؤازره ويسانده في حاله القلبي وسيدنا موسى من خلال نفس سيدنا هارون الطاهرة الزكية النقية يشركه في أمره ويشدد به أزره فيتم النصر ويزهق الباطل.

وردت آيات في القرآن تدل على أن اليهود أفسدوا مرتين، نريد تفسير هذه الآيات، وهل إفسادهم انتهى بالمرتين أم يمكن أن يستمر؟


قال الله تعالى في سورة الإسراء:
{وَقَضَيْنَا..}: حكمنا وبيَّنا. {..إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ..}: إن لم تدخلوا من باب موسى عليه السلام عليَّ فلم تقدِّروا سراجكم المنير موسى عليه السلام وتسيروا ضمن أمري: {..لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ..}: إن تركتم لا إلۤه إلا الله، ملتم لغير الله، ما آمنتم بالله، ستميلون للدنيا وتجعلون الناس يميلون إليها، وسيكون هذا مصيركم (كذلك يحصل للإنسان ضيق وبكل حين، أو رؤيا مذكِّرة لعلَّه يعود ويتوب فيريه الله العلّة التي بنفسه)، إن لم ترتبطوا بموسى عليه السلام وتطبِّقوا كلامي سيحصل معكم هذا الشيء وتفسدون مرتين.

{..وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً}: حيث أن قلبهم ممتلئ بالخبث. إن تباعدتم عن الله ولم تعظِّموه ولم تدخلوا من باب موسى عليه السلام سيقع بقلبكم حب الدنيا وستعلون بها.

{فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ..}: سيكون هذا لكم، الفساد الأول لمّا تسلَّط عليهم (بختنصَّر). {..فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ..}: فجاؤوا لتأديبكم، وحصل لكم ما حصل. {..وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً}: هذا وقع بالسابق (هذا الخطاب لليهود في عهد رسول الله ﷺ، ذكَّرهم الله بما جرى لهم)، ثم بعدها تبتم ورجعتم والتجأتم، وعاهدوا فجاءهم سيدنا داوود عليه السلام.

{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ..}: بعصر داوود عليه السلام، وانتصر سيدنا داوود على العدو ورفع الله شأنهم، فأعطيناكم مالاً وأولاداً: {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}: صار لكم مقامكم العالي.
الآن أرسلنا لكم محمداً ﷺ ومعه القرآن، فخاطبهم تعالى:

{إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ..}: الآن قد حصل لكم يا بني إسرائيل أولاً ما حصل، ولكن إن أحسنتم وآمنتم به، فتبتم ودخلتم من باب محمد ﷺ عليَّ حوَّلت عنكم البلاء، وخلصتكم منه. {..وَإِنْ أَسَأْتُمْ..}: ظللتم على ما أنتم عليه. {..فَلَهَا..}: ستحصل لكم الثانية. {..فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ..}: الوقعة الثانية. {..لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ..}: ستستاؤون كما حصل لكم زمن (بختنصَّر)، إذ سنرسل لكم هؤلاء المؤمنين. في المرة الأولى اليهود يغْلِبون ثم النصر حتماً للمؤمنين. {..وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}: لا يبقون لكم أثراً بل يقطِّعونكم تقطيعاً. وهكذا فالله تعالى يرسل على الإنسان إن فسد (ضربة) فيرجع إلى الله فيعطيه الدنيا مرَّة ثانية، فإن نكل جاءه الهلاك.

أما عن سؤالك: هل إفسادهم انتهى بالمرتين أم يمكن أن يستمر؟
الجواب: فسادهم في المرة الثانية فهو ما تراه الآن أمامك من فساد اليهود في العالم بأسره، فهم سبب فساد أوروبا والعالم بأسره، وسيقضى على هذا الفساد بإذن الله حين قدوم رسول السلام السيد المسيح عليه السلام، إذ وعده الله بالنصر المؤزّر بقوله تعالى: {..وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..} [آل عمران: 55].
ففسادهم في المرة الثانية لا يمكن أن يستمر، فقد حان وقت هلاكهم، إلا من يؤمن منهم لقوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه السلام: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ..} [النساء: 159].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21].
وفي الآية الأخرى: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [آل عمران: 133].
1- إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض فأين تكون النار في هذا الكون الذي ليس فيه إلا السماوات والأرض؟
2- بما أن الأرض على شكل دائري والمعلوم أن الدائرة ليس لها عرض ولا طول فما المقصود في كلمة عرضها في الآيتين؟
جزاكم الله خير الجزاء.


1- تسألنا: إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فأين تكون النار في هذا الكون الذي ليس فيه إلا السماوات والأرض؟
الجواب: يا أخي لقد ضيقت واسعاً هذا الذي تتحدث عنه من السموات والأرض المادية، من ملكوت الله، وهي ذرَّة في بحر ملك الله. أنت تتكلم عن الدنيا، وتظن أنها الآخرة، والدنيا كما قلنا لا تُذكر أبداً، أرضها وسماؤها ذرّة في عوالم الآخرة، أي: الجنات. أتدري يا أخي ما هو عرض السموات والأرض. كما أن عطاءات وخيرات ربِّ العالمين تأتي إلينا وتغمرنا بكلِّ ما نطلبه ولا تنقطع على الأجيال من لذائذ ومأكولات ومشروبات ومشهودات مادية وروائع في الصنع وآيات في جمال الطبيعة، وما ينتج عنها من ثمرات وحليب ومشتقاتها ومن بنين وبنات ومن كل ما تستحليه العين وتلذُّ به النفس. وهذه العطاءات أيضاً دائمية في الآخرة، ولكن بمقاييس كبرى وأحجام عظمى، لا تكاد تذكر هذه العطاءات المادية الثمينة تجاهها إلا قليلاً. ومن كلمة (عرض) تشتق كلمة مَعرَض، والمعرض يعرضون فيه كل جديد وكل حديث وكل المتطورات والتحسينات، فهذه السموات والأرض كما هي معروضة عليك وتُمنحها وتأخذها. كذلك الجنة معروضة عليك، تُمنحها عن طريق عين النفس، ومن لا صلاة له بالله فهو أعمى القلب بالآخرة، هذا هو المحروم، وقانا الله من ذلك وإياكم. فهذه المعروضات كلها للإنسان نتاجها، وكذلك هذا الأمر يستمر بالآخرة.

2- وتسألنا: بما أن الأرض على شكل دائري، والمعلوم أن الدائرة ليس لها عرض ولا طول، فما المقصود في كلمة عرضها في الآيتين؟
الجواب: يا أخي إنَّ الأرض إهليلجية وليست كما أنت تتصورها دائرية، لأن هذه كلها زائلة، كلها تفنى وتذهب ولا تعود.
فهنا كلمة (السموات) كل ما علاك هو سماك، تعني كل مكان فوقك، والأرض كل ما هو تحتك، وكلما ازدادت السماء توسّعاً على رسول الله بإقباله العالي على الله، وعلى رسله الكرام والأنبياء العظام والأتقياء والمؤمنون، فتتوسع بعطاء الله المتجدد المتعالي. فعرض السماء لا عرض لها دائماً بتوسع، وكذلك هناك دونك هبوطاً في عوالم يمدّهم الله أيضاً، ولا حدَّ لهذا الهبوط باستمرار أبداً، دائماً هناك يوجد حركة استمرارية نحو الأعلى ونحو الأسفل، كذلك الجنات في توسع دائم، عرضها كعرض السموات، دائماً تتوسع من جنة إلى جنة أعلى، من حالة إلى حالة أرقى، فالرقي متمادي لأهل الرقي، والهبوط متمادي، ولا نهاية لهذا السمو ولهذا الهبوط، أي: أن الجنة بتوسع دائم لا توقف فيه أبداً والله واسع لا نهاية له، وكذلك عطاءاته متوسعة لا حدَّ لها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى