موسوعة عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
دعوة للمفكّرين بتأويلٍ عالٍ يبهر العقول والقلوب والعواطف جميعاً ويغرز فيها الإجلال للعظمة الإلهيّة والإيمان ، ذلك لأنّ روعة جلالها وباهر ضيائها جلالاً وضياءً يتوارى دونهما كلّ ما سواهما فما كان أعظم تاليها !. وأعظم به. كان عالماً: (جبلاً) حجب ما سواه.
غطّت دلالته الأجيال ويحقّ أن تفاخر به الأجيال، فطوبى لمن استظلّ بجلال عظمتها واستضاء بباهر لألائها.
فيها براءة الإسلام العظيم من دسوس المغرضين، فيها براءة قلوب السالكين من أهواء الشياطين، بها سعادة الحياة العظمى أبد الآبدين، تنزيل من حضرة الله العلي الرحيم ورسوله الكريم.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26)..... وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ(45)} 1- ما هي الكلمة التي أبقاها سيدنا إبراهيم في قومه؟ 2- من هو الرسول الذي جاء قوم سيدنا إبراهيم بعد أن متَّعهم الله تعالى وذلك في الآية: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} هل هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء بالآية: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} مع أنه يوجد أنبياء ورسل بعد سيدنا إبراهيم وقبل سيدنا محمد مثل سيدنا إسماعيل ويعقوب وإسحاق ويوسف وموسى وعيسى عليهم السلام؟ إذن لم هذه النقلة الكبيرة من سيدنا إبراهيم إلى سيدنا محمد؟ 3- ما معنى آية {رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}؟ 4- كيف سيكون الناس أمة واحدة حتى يجعل الله تعالى {لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ}؟ 5- هل القرين يتقيد للإنسان من بعد إعراضه عن الله، أم يكون له مرافقاً منذ صغره ونعومة أظفاره؟ فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان له قرين وهو الإنسان الأول المقبل على ربه، فقال بما معناه: (أنه صلى الله عليه وسلم كان لي قرين فأعانني الله عليه فأسلمته). 6- ما معنى {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}؟ 7- النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إنسان بصير مشاهد لم ينقطع عن الله وهو مشاهد لجميع الرسل والأنبياء، ولكن القرآن نزل للناس بشكل عام فكيف يقول تعالى لنبيه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}، فالرسل بالنسبة للناس غير موجودين في الحياة الدنيا؟
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ {26} إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ {27} وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {28} بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ {29} وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ {30} وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ {31} أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ {32} وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ {33} وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ {34} وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ {35} وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ {36} وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ {37} حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ {38} وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ {39} أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {40} فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ {41} أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ {42} فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {43} وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ {44} وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}
1- ما هي الكلمة التي أبقاها سيدنا إبراهيم في قومه؟ {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ..}: مثال يُحتذى للحر، سيدنا إبراهيم لمَّا فكَّر بالكون آمن فاستطاع أن يُخالف البيئة والمجتمع الذي نشأ فيه، لم يُجارِ الناس على سيرهم ولم يوافق أباه على ضلاله، نظر فيما يعكف عليه أبوه وقومه مفكِّراً متسائلاً أيمكن لصنم نحته إنسان بيده أن يكون خالقاً مربياً؟! وهل يستطيع هذا الصنم الذي لا يقوى على أن يمسك ذاته بذاته أن يمسك السموات والأرض؟! {..إِنَّنِي بَرَاء..}: وهذه الكلمة (براء) لا تنطبق إلا على الأنبياء والرسل "فبراء" غير "بريء" فهم من الأزل ما انقطعوا عن حضرة الله وكذلك جاؤوا للدنيا وما انقطعوا عنه تعالى لحظة. {..مِّمَّا تَعْبُدُونَ}: من عقيدة إتباع الآباء والأجداد، كذلك اليوم ساروا على ما خطَّه لهم الأجداد والآباء دون الرجوع إلى كلام الله القرآن ومطابقتها معه، عبدوا الآباء والأجداد وبهذا أشركوا مع الله لأنهم ما ساروا على كلامه سبحانه. {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي..}: خلقني. {..فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}: لما فيه هدايتكم سيهديني إلى قوم يؤمنون معي لذلك تركهم وهاجر. {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ..}: عقبه: أبناؤه، وسيدنا إبراهيم هو أبو الأنبياء إذن عقبه: الأنبياء والمرسلون من بعد، سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق وسيدنا يعقوب وبقية الأنبياء من بعده عليهم صلوات الله عليهم أجمعين ومنهم سيدنا لوط عليه السلام، والكلمة هي مثلما قال سيدنا يعقوب لأبنائه: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} سورة القرة (133). إذن: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ..}: ما آمن لسيدنا إبراهيم من قومه إلا لوط عليه السلام، سار بما سار عليه سيدنا إبراهيم، فكَّر وآمن لهم وتركه سيدنا إبراهيم في قومه يدلَّهم ويرشدهم على الإيمان والتقوى. {..لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: يتركون ضلالهم ويرجعون إلى خالقهم عن طريق سيدنا لوط صلى الله عليه وسلم طالما لم يمشوا مع سيدنا إبراهيم.
2- أما عن السؤال: من هو الرسول الذي جاء قوم سيدنا إبراهيم بعد أن متَّعهم الله تعالى وذلك في الآية: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} هل هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء بالآية: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} مع أنه يوجد أنبياء ورسل بعد سيدنا إبراهيم وقبل سيدنا محمد مثل سيدنا إسماعيل ويعقوب وإسحاق ويوسف وموسى وعيسى عليهم السلام؟ إذن لم هذه النقلة الكبيرة من سيدنا إبراهيم إلى سيدنا محمد؟
والجواب: ليس هناك نقلة إنما المخاطبين هم أهل قريش وهم عبدة أصنام، لأن رسول الله كان يتلو عليهم قصة سيدنا إبراهيم وقومه، وبكلمة (هَؤُلَاء) نستدل أن الخطاب موجَّه للذين يسمعون من رسول الله "أهل قريش" بالقرآن. {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ..}: أعطيتهم كل شهواتهم ليسيروا بعدها بالحق. {..حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ..}: ما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بيان عالٍ ودلالة. {..وَرَسُولٌ مُّبِينٌ}: ظاهر مكشوفة أعماله، بيانه، علومه تدلهم على أنه رسول الله. {وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ..}: من عند ربهم {..قَالُوا هَذَا سِحْرٌ..}: تخيلات، نحن لا نؤمن إلا بالمحسوس والملموس، هذه الدنيا وما فيها من نساء وأكل وشراب وملاذ محسوسة، إن تركناها وسرنا على سيره حرمنا أنفسنا منها. لم يحرمهم منها، حرمهم من الحرام بدل أن يأخذوها بالحرام يأخذوها بالحلال. - هذا البيان المنطقي العالي الذي جاء به هل يمكن أن يكون سحراً؟ فالسحرة كلامهم مبهم غير مفهوم، فما خاطبهم صلى الله عليه وسلم إلا بما هو واقع بين أيديهم، لكنهم لا يريدون الحق لذلك أهلكوا أنفسهم وقالوا سحر، وهم يعرفون أنه ليس بسحر. {..وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ}: أنكروا رسالته وما جاءهم به صلى الله عليه وسلم عن الله من أجل الدنيا أنكروه فهووا.
3- ما معنى آية {رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}؟ {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}: يقيسون العظمة بالصورة، بالمال والجاه والدنيا، قالوا هناك من أحق من سيدنا محمد بالرسالة، نحن لدينا عظماء، زعماء قبائل. {الْقَرْيَتَيْنِ}: مكة والمدينة، حيث لم يكن بالجزيرة قرى ظاهرة غيرهما، وما تبقّى كانوا رُحَّلاً. تطلَّبوا أن يتنزَّل القرآن على رجل عظيم في إحدى هاتين القريتين كأبي جهل وأبي لهب أو عبد الله بن أبي سلول أصحاب الجاه والمال، ولم يعظِّموا رسول الله لأنهم رأوه يتيم أبي طالب، هو رسول الله وظيفته تخليصهم من الدنيا لا أن يعطيهم الدنيا، سيدنا موسى ترك ملك فرعون مهاجراً وغيره.. الصحب الكرام لمَّا شفيت قلوبهم من محبة الدنيا جعل الدنيا في أيديهم جعلهم ملوكاً وسادة الدنيا.
إذن: كانوا هم مشاهدون العظمة بالدنيا لذلك خاطبهم تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..}: هل هم خلقوا هذا ابن ملك وهذا أجيراً، الله من يخلق الناس ويرزقهم وهو من يبعث بالأمطار أو يحبسها، لا تجري الأمور حسب هواهم، هم يتطلَّبون وفق أهوائهم والله يريد الخير الدائم لهم، يسوق الأنسب لكل نفس حسب حالهم، سيدنا داوود كان سقَّاءً، وسينا محمد راعياً، وسيدنا موسى ألقى بالدنيا تجاه مرضاة الله فالدنيا ليس لها قيمة عند الله وهي زائلة وعند الله الجنات الأبدية. {..وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ..}: كل إنسان بمهنته سيِّد. النجار بمهنته والحداد والخياط و... وكلٌّ بمهنته سيِّد يحتاجه غيره لمهنته. {..لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً..}: كل واحد مسخَّر لغيره، هذا يعمل لهذا وهذا يصنع لهذا ويتعاونوا في الدنيا ويعملوا العمل الخيِّر الصالح وليذهبوا إليه تعالى وهو عنهم راضٍ بما قدَّموا من أعمال ويدخلون الجنان. {..وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}: من الوظائف والرتب والعلو في الدنيا، فما عند الله باق وما عند الناس ينفد.
4- وجواباً على السؤال: كيف سيكون الناس أمة واحدة حتى يجعل الله تعالى {لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ}؟ {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً..}: الآية تتكلم عن هذا الزمان الآن صارت الناس أمة واحدة، الكل أمَّ للدنيا، تركوا الله ورسوله ولا يريدون إلا الحياة الدنيا واطمأنوا لما بها. قبلتهم الدنيا وليس الآخرة وجناتها. {..لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ..}: ما نراه اليوم من تزيين للأسقف وديكورات ذات الألوان الفضية. {..وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}: الأدراج المتحركة، المصاعد في الأبنية "الأسانسولات". {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً..}: الفرق في البيوت العربية لها باب واحد، أما في الأبنية الإفرنجية فلها عدة أبواب، باب للبلكون وباب لغرفة الاستقبال وباب للصالون وهذا حال البنايات. {..وَسُرُرا..}: ينسرّوا بها حيث تسري نفوسهم لها، وهذه تشمل الأسرَّة الفخمة الفاخرة من الموبيليا، كذلك السيارات والطائرات حيث كان السفر قطعة من العذاب ويستطيع المسافر السير أكثر من أربعين كيلو متر في اليوم أما الآن فالسفر إلى الصين تقريباً لا يستغرق إلا يوماً واحداً، ويستطيع المسافر بواسطة الطائرة النوم في مقاعدها المريحة وهي تسري بهم في الفضاء. {..عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ}: عليها في تنفيذ أعمالهم والرحلات السياحية، وهم مسرورون ويرون البحار تحتهم والجبال ويتمتَّعون بمشاهدتها. {وَزُخْرُفاً..}: ديكورات، ويصرفون عليها الأموال الطائلة وهي لحياة فانية أنستهم الحياة الدائمية والجنات الأبدية الأخروية. {..وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..}: الدنيا كفقاعة الصابون تظهر وتكبر، بعدها تذهب وكذلك الدنيا سوف تذهب عنهم ولا يبقى لهم إلا أعمالهم. {..وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}: الذي آمن صار له نور، هذا يرى الخير من الشر، هذا يطلب الآخرة وجناتها لا الدنيا وزخارفها، هذا يقدِّم أعمالاً عاليةً صالحةً وله في الآخرة عند الله الجنات والسعادة. فما مراد الله تعالى إلا أن يكون الناس في الجنات وليس له هدف إلا شفاءهم وإعطاءهم وإسعادهم.
5- والسؤال: هل القرين يتقيد للإنسان من بعد إعراضه عن الله، أم يكون له مرافقاً منذ صغره ونعومة أظفاره؟ فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان له قرين وهو الإنسان الأول المقبل على ربه، فقال بما معناه: (أنه صلى الله عليه وسلم كان لي قرين فأعانني الله عليه فأسلمته). أولاً- ما جاء في الآيات الكريمة {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً..}: الآية ظاهرة وفيها شرط {وَمَن يَعْشُ..}: أي يكون أعشى، أي أعمى عن الحق، الشيطان يقترب إليه ويشعر فيه لرائحته الخبيثة ويوسوس له إن لم يسر بطريق الحق يزيِّن له ويوقعه لإخراج ما في نفسه، يدلُّه على الدنيا والنيل منها. {..فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}: صاحب ساحب، ملازمه. {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ..}: عن سبيل الله، الفقير ينفتن ويتمنى ماعند أهل الدنيا ويسعى للوصول لها بالحلال والحرام وبذلك صدُّ ومنع الناس عن السير بالحق والوصول إلى الجنان. {..وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}: إلى السعادة، يظنون أن السعادة بهذه الزخارف وبالمال والنساء والأولاد والفواحش، كذلك غيرهم يقولون هذه نِعَم أنعم الله بها علينا. أما أن الله جعل لرسول الله قريناً: فإن لله الحجة البالغة كيلا يقول أحد: لو أنه ليس لي قرين كما ليس للرسول قرين لأصبحت مثله ولَقُمتُ بفعلهِ. ولكن الله حاباه فما جعل له قريناً "وحاشاه تعالى من ذلك"، فالرسول جاءه قرين وحاول إضلاله ففشل هذا القرين ولم يُفلح بل أفلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن جعله يُسلم معه، كذلك على كل مؤمن حق أن يُسلم قرينه أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم. {حَتَّى إِذَا جَاءنَا..}: يوم القيامة، هذا الذي كفر بالرحمن. {قَالَ}: لقرينه، لصاحبه الذي صاحبه بالدنيا، الذي أضلَّه. {..يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ..}: ليتني بالدنيا ما سمعت كلامك وما سرت معك وما نزلت لعالمك ولا خرجت من عالمك لعالمي وبقي الكل بعالمه ولم تحدث هذه الإجرامات. {..فَبِئْسَ الْقَرِينُ}: صحبته وسيره، بإرشاده عاد عليه بالبؤس والشقاء والنار. {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ..}: يوم القيامة. {..إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}: لا بدَّ لكم من النار علاجاً لكم ودواءً.
6- وعن سؤالك: ما معنى {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}؟ {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ..}: من أصمَّ نفسه عن سماع الحق. {..أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ..}: من لا نور لهم ليعرفوا الحق من الباطل. {..وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}: سيرهم وضلالهم مكشوف، لكن الأعمى حبَّاب الدنيا لا يرى ذلك بل يتمنى أن يكون الكل مثله. {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ..}: بالوفاة. الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. نَذْهَبَنَّ بِكَ قبل البلاء، حيث صلى الله عليه وسلم لرحمته وحنانه لا يحتمل ما سيحلُّ بهم من عذاب حين الهلاك. {..فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}: نخرج لهم ما في قلوبهم وترجع عليهم أعمالهم، إذ لمَّا كان الرسول بينهم كان لديهم القابلية لأن يستجيبوا، وبانقضاء أجل الرسول وهم لم يؤمنوا به سينكبُّون على الدنيا بملء طاقاتهم ويتصارعون عليها وستعود أعمالهم عليهم بالبؤس والشقاء والتعاسة والبوار. {أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ..}: من الهلاك. {..فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ}: لكلٍّ ما يناسبه وما يلزمه، فالعذاب لكلٍّ على حسب ما قدَّم من عمل فلا ظلم. {..مُّقْتَدِرُونَ}: على حفظك. {..مُّقْتَدِرُونَ}: الآن أن نُهلكهم، نرسل لهم إعصاراً طوافاناً، زلازلَ... ولكن رحمة الله وحنانه تمهلهم ولا تهملهم عسى أن يستجيبوا لرسول الله فإن صمَّموا وقرَّروا ألّا يستجيبوا لنداء الله بمعارضتهم لرسوله حلَّ بهم ما حلَّ بغيرهم. {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ..}: دل من معك من المؤمنين بهذه الدلالة العالية. {..إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: هذا الشيء الذي تُذكِّرهم به من التفكير بالبداية والموت هو الموصل إلى سعادة الدارين، الدنيا والآخرة. {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ..}: حتى الرسول يتعلَّم من الله القرآن وهو يُعلِّم غيره. إذن الله هو المعلِّم للرسول بالقرآن. {..وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}: الله يجمع رسوله مع القوم يوم القيامة ويسأله هل بلَّغتهم جميعاً، فيُجيب الرسول بلى يا رب بلَّغتهم جميعاً دون استثناء وهم يقرُّون بذلك ويقولون بُلِّغنا فعندئذٍ يُسأَلون عن أعمالهم ويُحاسبون بما قدَّموا.
7- وجواباً على سؤالك الأخير: النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إنسان بصير مشاهد لم ينقطع عن الله وهو مشاهد لجميع الرسل والأنبياء، ولكن القرآن نزل للناس بشكل عام فكيف يقول تعالى لنبيه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}، فالرسل بالنسبة للناس غير موجودين في الحياة الدنيا؟ والجواب: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}: السؤال هنا ليس سؤال المتعلِّم ولكن من أجل أصحابه، بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم "مخاطبة الرسل سهلة"، بمعركة بدر خاطب رسول الله القتلى فسأله المسلمون يا رسول الله وهل يسمعونك؟ قال صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأسمع لي منهم. وهذه هي اللغة السريانية، من سرى، يسري، فالنفس وكل نفس خالدة لا تموت أي عدَم لا يكون، فكل ما خلق الله باقٍ، الموت انقطاع عمل النفس حيث لم يعد لها سيطرة على الجسد لكن النفس تبقى مثلما هي، تسمع وتُبصر وتتكلم والجسد يفنى. فأصحابه صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا معه وصار لهم نور ويستطيعون أن يشاهدوا ما يقول الرسول، فالرسول كلامه عن شهود والصحابة وصلوا لهذه الدرجة "شهود كلامه صلى الله عليه وسلم" الرسول سينتقل جسداً وبعد انتقاله، أصحابه سوف يشهدون الحق للخلق وينشرون دلالته وبيانه والقرآن. إذن السؤال من أجل أن يسمع أصحابه صلى الله عليه وسلم حتى يشاهدوا لأنهم هم في المستقبل بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم سيتعرَّضون لهذه الأسئلة.
إذن السؤال من أجل أن يشهد ويسمع المتَّقون الذين قاموا مع رسول الله ونهضوا من الظلمات إلى النور. {..أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ..}: المتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخوانه الرسل والأنبياء. {..أَجَعَلْنَا..}؟! أنا وإياكم من دون الله {..آلِهَةً يُعْبَدُونَ}: يُطاعون كما ادَّعت النصارى أن سيدنا عيسى قال اتَّخذوني وأمي إلۤهين؟! وكما ادَّعت اليهود أن سيدنا العزير ابن الله وأنه إلۤه وواجب طاعته؟! كذلك هل قال سيدنا شيث لقومه اجعلوا لي صنماً واعبدوه؟!
إذن السؤال من أجل أصحابه حتى يتعلَّموا فكلامه صلى الله عليه وسلم عن شهود وكل مؤمن لابدَّ وأن يجتمع مع الرسل والأنبياء ويتعلَّم منهم لأن وظائفهم دائمة وهم بالوظيفة حتى بعد انتقالهم صلوات الله عليهم أجمعين.
السلام عليكم نشكركم على جهودكم.
يقول الله في كتابه الكريم: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً} صدق الله العظيم، ما معنى ذلك وهل هي للرسول فقط دون سواه أم لكافة المؤمنين؟ واشرح لنا عن كيفيتها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رجاءً النظر في الآية الأخيرة من سورة المزمّل تجد جوابك واضحاً.
ورد في سورة الكهف الآية رقم (34) بسم الله الرحمن الرحيم {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} كيف يصاحب المؤمن الكافر؟ وكيف يدعو المؤمن على صاحبه الكافر؟
يصاحبه لـمّا يتوسم منه التوبة والنجاة والنجاح، والصحابة الكرام صاحبوا أهل الشام والعراق ومصر وكانوا على الكفر فهدوهم إلى الإيمان.
إنه لا يدعو عليه ولكن ينذره بما قد يصيبه إن أصر على الكفر ونكران المنعم المتفضل جل وعلا.
يقول تعالى في سورة الكهف، الآيات (32-44):
32- {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ..}: بساتين من جميع الفواكه "من فواكه متنوعة" {..وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ..}: من حول الحديقتين أي من أطرافها. {..وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}: من خضر في الوسط، بين الأشجار خضراً وكلأ.
33- {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا..}: أثمرت، نضج وآن أوان القطاف. {..وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً..}: كان الحمل تاماً كاملاً، كله أثمر فما من شجرة حملت قليلاً بل كلها أعطت حقها. {..وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً}: مستمر الجريان متى شاء وأراد سقى.
34- {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ..}: كان للرجل غلة وثمر، إذ نضج. {..فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً..}: أنت فقير. {..وَأَعَزُّ نَفَراً}: انظر ما عندي، رغم أنني لست مثلك على السير الذي تدعي بأنه حق.
35- {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ..}: لـمّا قال من قبل أنه أكثر مالاً وأعز نفراً. (وهو ظالم لنفسه): ببعده عن الله استلذ بها ولم يذكر نعمة الله. {..قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً}: ما أظن هذه الخيرات، هل تذهب؟! أمَّنْتُ مستقبلي.
36- {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً..}: البعث "كما يقال". {..وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً}؟ هنا استفهام. هل أجد خيراً منها بعد الموت؟! كل هذا لا أصل له.
37- {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ..}: ألا تذكر أصلك ونهايتك، أتنكر الذي خلقك!
ألا تفكر ببدايتك كيف كنت تراباً. {..ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ..}: لـمّا تخلّقت، أصلك من ثمرة أكلها أبوك فصارت نطفة كيف تنكر هذا الإنكار؟ الذي سوّاك من نطفة كلامه ليس بصحيح؟!! {..ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}: من طور لطور حتى صرت إنساناً ألا تفكر بحالك بأصلك من سواك، من ربّاك من نمّاك؟!
38- {لَّكِنَّا..}: لكن لكنا لازم نعرف جيداً. {..هُوَ اللَّهُ رَبِّي..}: كل الفضل فضله تعالى. {..وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}: أنا هذا ما رأيته.
39- { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ..}: كان. ما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن. {..لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ..}: الكل فضله. {..إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ..}: الآن. {..مَالاً وَوَلَداً}: فاحتقرتني، ترى نفسك أنك غني وعندك أولاد ولا تعبأ بقولي!
40- {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ..}: لم تحسب له حساباً، حسب ما يلزمها، بلاء لا تحسب له حساباً لكنه بلاء ضمن حساب لا يخطئه. {..فَتُصْبِحَ صَعِيدًا..}: تراباً. {..زَلَقًا}: مندثرة، غباراً ذاهباً من يدك، مستنقعاً يزحلق الإنسان، يطوف النهر فلا يستطيع أحد السير فيه، والخيرات لا أثر لها.
41- {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا..}: يغور. {..فَلَنْ تَسْتَطِيعَ..}: ساعتها. {..لَهُ طَلَبًا}: من الذي يخرجه لك!
42- {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..}: أي أن البلاء لابدّ واقع بالمعرض. {..فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا..}: خسر خسارة كبرى وكذلك كثيرٌ ممن يعطى مالاً أو وظيفة ثم تسلب النعمة بكفره.
{..وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا..}: شجر يابس. {..وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}: هنا شعر وآمن فكل ما يسوقه تعالى للإنسان هو خير له. "قصة الرجلين ومعناها أن الله يعطي العبد فإن شكر وأقبل وإلا يأخذ منه هذه النعمة فإن لم يرجع فله عذاب بئيس.
43- {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ..}: إذا حل البلاء من يردُّه! {..وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا}: بما عمل الإنسان إن أوتي نعمة يجب عليه أن يشكر ليزداد نعمة.
44- {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ..}: عندها عرف المسألة بيد الله تعالى. {..هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا..}: رجعة له. {..وَخَيْرٌ عُقْبًا}: يعقب الإنسان ليطهّر له نفسه. (وخير عقبا): من هذا المال فكل ما يصيب الإنسان فإنما هو من حنان الله عليه "أبصر به وأـسمع": فالله تعالى يسوق ما يسوق للإنسان ليرده للحق إن أرسل الشدائد للإنسان فمن شدة حبه تعالى وحنانه ورحمته به.
السلام عليكم:
السيد الكريم بخصوص أسماء سور القرآن الكريم. على أي أساس سميت كل سورة باسم معين؟ وما هو سبب تسميتها. البقرة؟ النساء؟ النحل؟ الدخان؟ الخ وشكراً.
قال لي أحد علماء إنكلترا: يا أخي، أنت شهادتك بالأدب الإنكليزي أو الأدب العالمي، فهل رأيت إلى أي سماء بلغ العلم والأدب العالمي، أنهم في قصصهم الأدبية: في البداية وبمقدمة القصة رموز ومعاني تشرح لك بشكل موجز مجريات القصة بأكملها ثم يأتي التفصيل، ثم تجد أيضاً أن أسماء أشخاص القصة أو الرواية تعبِّر عن دورهم في القصة، فاسم كلٍّ منهم يعبِّر عن دوره في الرواية أو القصة. أليس هذا دليل على الرقي الأدبي الذي ما بلغته الأجيال قبلنا؟
أجبته: كلا فإنَّ كتابنا المقدس القرآن الكريم كلام الله، تجده يبيَّن لك في بداية كلِّ سورة على أنه مفتاح السورة، ويكشف لك عما تحويه هذه السورة ثمَّ يأتي التفصيل، هذه من ناحية ومن ناحية ثانية: كل اسم من أسماء الأنبياء عليهم السلام يرمز إلى دوره في الحياة ويدلُّك إلى صفاته، فمثلاً اسم سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم يعني أنه كان حداً في إحقاق الحق والبطش بالباطل، وكذا سيدنا نوح صلى الله عليه وسلم لأنه كان حزيناً ودائم البكاء والنواح على قومه في خلواته مع ربه. وسيدنا إبراهيم عليه السلام لأنه تبرأ من قومه الضالين المضلين وهام بربه وهلمَّ جره. فالذي تتفضل به هذا قديم ووارد عندنا في كتاب الله المقدس القرآن، فلماذا لا تنظر إلى سموه وعلوه عندنا في القرآن.
فيا أخي السائل: سؤالك عن هذه الأمور وعن تسميات السور في القرآن بكذا وكذا لأن العبر والحِكَم للسورة حتى للقرآن كله تكمن تحت هذه الألفاظ، فسورة البقرة مثلاً كلها تدور بموضوعها حول حب الدنيا المستحكم في قلوب بني إسرائيل والذي أوصلهم إلى عمى البصيرة مع ما آتاهم به رسولهم من معجزات لم يسبق لها مثيل لا قبلها ولا بعدها، مع ذلك وبسبب استحكام حبِّ الدنيا في قلوبهم الذي ولَّد فيهم البخل والجبن والخساسة واللؤم، وكافة الصفات الناقصة، فلم يكتسبوا الكمال من رسولهم المنقذ لهم سيدنا موسى عليه السلام فلم يقدّروه ليعظموه وتلفت نفوسهم له فتستنير، ومع علمهم أنه رسول الله بمعجزاته فقط وليس من تقديرهم أو إيمانهم، ولا بجهادهم لأنفسهم، وحبُّ الدنيا رأس كل خطيئة، فهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة الإيمان الذاتي ليصلوا إلى ربهم والذي يشهدهم حقيقة نبيه سيدنا موسى عليه السلام. فلم يقدروه، فكيف يرون بدونه رؤية حقيقية، وبدون نوره وهو السراج المنير، وكيف يشهدون الحقائق إن لم يقدروه؟!
أيضاً غلبة حب الدنيا كانت حجاباً لقلوبهم ونفوسهم عن الاستنارة بنوره، فسورة البقرة كلها تدور حول قصة بني إسرائيل التي تبين بخلهم وشحهم رغم أن الله أمرهم عن طريق رسوله أن يذبحوا بقرة لم يرضوا بهذه التضحية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: لتتبعنَّ سنن من قبلكم شبراً بشبر... إذن نحن أيضاً أصبحنا الآن كبني إسرائيل الذين أحبوا الدنيا فأورثوا البخل والجبن فعادوا ربهم بعدم تطبيقهم أمره واتباعهم للكفرة بسبب حرصهم على دنياهم والله يحذرنا من اتباعهم فقصة البقرة تشير إلى صفات من لا يؤمن بالله ولا يقدر رسوله، فليس الكلام عن بقرة عادية ذبحوها أو لم يذبحوها، فسورة البقرة بحث لك عن هذه العلل النفسية لتتجنبها، كما تبحث لك في الإيمان وسلوكه لتصلي وكيلا تبخل بالإنفاق وكيلا يكون حبك للدنيا أعظم من رغبتك في الإلۤه.
كذلك في سورة النساء يبين الله تعالى لك الأحكام المتعلقة بنصف المجتمع من النساء وعن حقوقهن وواجباتهن، ولم يبحث بالأحكام إلا بعد أن دلَّك على طريق الإيمان لأن الإنسان إن لم يؤمن يبقى كبني إسرائيل لا يطبق الأحكام ويحرم المرأة حقوقها، ويبخل فلا ينفق، وإذا رجعت إلى شرح القرآن في كتاب تأويل القرآن العظيم للعلامة محمد أمين شيخو لوجدت أن فهم معاني السور والقرآن يرتبط أوثق الارتباط بالإيمان بلا إلۤه إلا الله لقوله تعالى {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء..} سورة فصلت: الآية (44). وبداية السور والمسمّيات.
فيا أخي: اقرأ بهذا الكتاب للعلامة واسلك سبيل الإيمان المبين فيه بذاتك تفهم عندها الحكمة العظيمة المنطوية وراء كل سورة من سور القرآن، وتفهم سبب تلك المسميات للسور كسورة البقرة والنساء والنحل والدخان.... الخ
فإن فهمتها وآمنت بها فستشهدها نفسك وتشهد ما فيها من علاج وشفاءات البشرية من أمراضهم الجهنمية التي وصلت بهم إلى الدرك الأسفل وإلى الشقاء والحروب والبلاءات بالأمراض وبأمراض الأنعام، والنكبات والكوارث كلها لكي يؤمنوا ولو فهموا كلام خالقهم وخالق الكون وطبقوه بعد أن عقلوه وشاهدوه بنفوسهم لأصبحت الدنيا جنات، ولنالوا كل المكرمات وحلَّ الأمان والسلام وانتهى الخصام وزالت الآلام، فكل أمّة اتبعت كلام ربها القرآن سمت وعلت وسلَّمها الله أمور عباده، وعاشوا بهناء. نالوا الجنات بالبقاء الأبدي، فالله أرسلنا إلى الدنيا ولم يتركنا في عماء بل بعث لنا رسله لينقذونا بكلامه ونصحه {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..} سورة الأعراف: الآية (96). ولما أرسل عليهم زلازل وبراكين وطوفانات وأعاصير وأمراض في أنعامهم وطيورهم {..وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} سورة سبأ: الآية (17).
حتى هذه المصائب قد ذكر تعالى أنها العلاجات الصغرى، أما العلاجات الكبرى فهي بعد الموت في قوله تعالى {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة السجدة: الآية (21). لعلهم يرجعون عن طغيانهم وقسوتهم وظلمهم ولؤمهم وليخلعوا ثياب البهيمية والشيطانية ويرتدوا ثياب الإنسانية، فإن آمنوا واستأنسوا بالله وصلّوا، أصحبوا إنسانيين حقاً متقيدين بشريعة الله، ولغدت الأرض جنات وهذا هو مراد الله من خلقه.
إذن:
- ما أوردته وسألت عنه فلكل اسم معنى ومغزى وعبر تدور السورة كلها حوله حتى القرآن بكامله يدور حول تلك الحكم.
- لو عقلت سور القرآن التي تدور حول هذه المسميات وطبّقتها، لنلت الجنات في الدنيا وبعد الانتقال منها، وأصبحت في أمان ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون على فراقها لأنهم بها نالوا الجنات.
- القرآن (هو حبل الله المتين ونوره المبين من تمسك به نجا ومن تركه إلى غيره هلك) فكل أمة تمسكت به عن إيمان وفهم رفع الله شأنها، ومثال على ذلك الدولة العثمانية لا التركية والدولة السلجوقية التي بقيت أجيالاً في الفوز والنصر والأمن والأمان، والدولة الكردية في زمن صلاح الدين الأيوبي (الأيوبيين) حتى المماليك في شتى البلاد عندما طبقوا هذا الكتاب سيَّدَهم الله في الدنيا وجعلهم سادة ومن قبلهم نالوا أكثر منهم أيضاً. المهم فهم كلام الله يتم بالإيمان الذاتي كما ذكر تعالى: {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى..}.
والحمد لله في بدءٍ وفي ختم
ورد في الآية الكريمة في سورة الأحزاب:
{يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} صدق الله العظيم.
والسؤال: هل يجوز للمرأة التحدث إلى الرجال الأجانب عند الضرورة اعتماداً على هذه الآية؟
وماذا لو كانت محجبة؟
وهل هذه الآية تخص نساء الرسول فقط؟
ولكم جزيل الشكر.
هذه الآية يخاطب الله فيها نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن قدوةٌ للنساء المسلمات، وعندما يقوم القائد بمهمة ما يعني هذا أن جميع الجنود ستتبعه، فالقائد لا يخرج بنفسه للقتال، لابدَّ أن يخرج معه الجنود، وهو لا يشنُّ الهجوم منفرداً، لاشكَّ أن جنوده يلحقون به ويتبعونه بتصرفاته.
والأمر هنا في الآية لنساء النبي وللنساء المسلمات بالتبعية، لطالما المثل الأعلى والقدوة امتثلن للأمر فالأتباع كذلك مشمولون بالأمر وذلك تحصيل حاصل، وهذا أمرٌ بديهي.
وكلمة: {..فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ..}: أي لا تتركن صوتكن على طبيعته، لأن: (المرأة كلها عورة حتى صوتها)، فيجب على المرأة أن تغيِّر وتيرة صوتها من اللطيف العذب إلى الفظ الخشن إذا أرادت التكلّم مع الرجال، وذلك لأمر مهم وإذا لم يكن هناك رجال في البيت وأجبرت هي للتكلم مع الرجال، فإذا تحدَّثت مع الرجل يجب أن يكون الحديث جدِّي للغاية وبصوت خشن، أي تغيِّر صوتها ولا تدعه على طبيعته رقيقاً لطيفاً بل يجب أن يكون خشناً غليظاً لكي لا يترك مجالاً للشيطان أن يدخل على مرضى القلوب. {..فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ..}: من في قلبه حب دنيا وشهواتها، فهذا صوت المرأة له تأثير سلبي عليه فلربما يكون باباً للشيطان أن يدخل ويحبب إليه الفواحش والمحرمات، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (المرأة كلها عورة حتى صوتها)، فحرصاً على قلوب العباد أن يتسرَّب إليهم الفساد، كان الأمر بتغيير طبيعة الصوت إلى خشن عند الضرورة، مثلاً أمام القاضي إن كانت المرأة شاهدة على حادثة ما، أو في أمور الميراث أو الطلاق أو غيرها من الضرورات.
ولسائل أن يسأل ويقول: أن الآية تخاطب نساء النبي فقط.
ونقول: {..لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء..}. نقول: هذا صحيح، جاء التخصيص هنا لنساء النبي لأن زلَّة عالم بهلاك أمة.
فنساء النبي بلغن درجة عالية فهن أسمى وأعلى وأرقى نساء العالمين، والمسؤولية هنا أكبر وأعظم، فالآية تخصّصهنَّ لأنهنَّ قدوة النساء المسلمات، وخطيئة القائد بدمار الجيش، وخطيئة الملك بدمار الأمة بأكملها، فالأمر بالآية لنساء النبي على وجه التخصيص لعلو شأنهن وعظيم خطر زلتهنَّ "وحاشا لله"، ومنه يعمّم على نساء المسلمين بالتبعية.
وكانت زوجة العلّامة محمد أمين شيخو قدَّس الله سرّه حينما تجبر للرد من وراء الباب ترد بصوت أجش خشن وهم "المريدون" مؤالفون على هذا الرد فتجيبهم لأنه هو الرد الشرعي المقبول عند الله وفي رضاه تعالى.











