هل يختلف حساب أهل الفترة يوم القيامة عن حساب غيرهم؟

أهل الفترة.. وهم كما سمعت الذين عاشوا في زمان ليس فيه رسول أو مكان لم تصل إليه الدعوة. هل يختلف حسابهم يوم القيامة عن سواهم؟


كلا لا يختلف حسابهم عن سواهم وكلهم سواء في المحاسبة، وكلُّ إنسان يحاسب على ما قام به من أعمال في الدنيا، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} سورة الزلزلة: الآية (7 - 8).
ولعلك تعترض وتقول أن هؤلاء الذين لم تصل لهم دعوة ولم يرسل لهم رسولاً ولم يسمعوا الحق فكيف يحاسبون كسواهم!
نقول: يا أخي عِلْم الله شامل ورحمته تعالى تعمُّ جميع الخلائق ولا يُعاملُ تعالى الناس إلا برحمته ولكن ضمن العلم والحكمة والعدل، قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} سورة الأنفال: الآية (23).
والله أرسل النبيين والمرسلين لبني إسرائيل وكان آخرهم سيدنا زكريا وسيدنا يحيى عليهما السلام فلم يسمعوا منهم وكذبوهم، وأرسل لهم سيدنا عيسى بالبينات وأيده بروح القدس فما كان منهم إلا أن همُّوا بقتله فسحب الله الرسل وقطعهم عن الناس لأنهم لا يتطلبون ولا يستحقون هذا العطاء الإلۤهي العظيم، فهل يُزرع في الصخر الأصم؟! أم هل تُلقى البذور في رمال الصحراء المحرقة، ومن يعمل بمثل هذا العمل فذلك عين الخطأ. فالحكمة الإلۤهية اقتضت أن يوقف تعالى إرسال المرسلين لأناس لا يريدون ولا يفقهون ولا يعقلون، فلماذا يرسل لهم تعالى رسولاً وهم حتماً سينكرونه ويعارضونه هل لتزداد نيرانهم؟!

ولكن عندما بدأت النفوس تلين وتتقبل وأصبحت لديهم قابلية للاستجابة والإنابة، أرسل الله تعالى نبي الهدى الرسول الأمي ﷺ وأسمعهم الحق، ولله الحجة البالغة. ومما ورد في الأثر أن سيدنا محمد ﷺ أشار إلى نبي في شبه الجزيرة العربية بعثه الله قبيل بعثة رسول الله ﷺ، ولم يعرفه أحد من قومه ولا حتى ذووه وانتقل وبقي مجهولاً، وإنَّه نبيُّ الله خالد بن سنان بعثه الله وجَهِلَه قومه بنو عبس وذبيان، فلماذا يرسل تعالى الرسل الكرام؟
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: إن الإنسان لديه الإمكانية التامة والأهلية الكاملة أن يبلغ الإيمان دون رسول أو نبي، وهاك أهل الكهف فتية آمنوا بربهم وزادهم الله تعالى هدى فكانوا نموذجاً لبني البشر وحجة قائمة عبر الأزمان ولله الحجة البالغة.

فكل إنسان زوده تعالى بالفكر، والكون كتاب مفتوح يستطيع كلُّ مفكرٍ طالبٍ باحثٍ عن الحقيقة أن يصل من خلاله إلى الإيمان به تعالى كما وصل أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام وكما وصل أصحاب الكهف ومن أجل ذلك كلٌّ مسؤولٌ عن أعماله لأنه ما من أحد إلا ويعرف في قرارة نفسه الخير من الشر، ويدرك الصالح من الطالح بما فطره الله من فطرة الكمال ذلك المقياس والميزان الدقيق.

وبناءً على تلك الأهلية التامة والإمكانية الكاملة يحاسب الإنسان يوم القيامة بل هو الذي يندم ويحاسب نفسه ويلبسه العار والحسرة على ما فرَّط في جنب الله، وعلى ما ضيّع في الدنيا ويرى أن لله الحجة البالغة وأن الله وضعه في أنسب مكان وزمان وأكمل حال ولم ينقص عليه شيء.
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

زر الذهاب إلى الأعلى