هل ادّعاء السحرة بقدراتهم صحيحة أم أن الأمر خداع؟
تحية إنسانية خالصة من القلب إلى القلب
أشكرك سيدي على مجهودك الجبار الذي يسعى إلى الارتقاء بالإنسان إلى منهج التسامح ونفي التعصب الناتج عن سوء فهم الدين.
شخصياً أسمع من بعض المعارف بعض تجاربهم مع المشعوذين، فمنهم من يجزم بصحة ادعائهم للغيب (المستقبل)... ومنهم من أبهر بقدراتهم عن معرفة المعلومات الشخصية وأسرار الإنسان دون سابق معرفة به. والأمثلة كثيرة.
أشكرك جزيل الشكر مجدداً على هذا الموقع ومنبر تواصلك المفتوح للجميع وأتمنى من كل قلبي أن ينتج عنه ما فيه خير وصلاح للبشرية جمعاء. أما بعد:
سؤالي سيتمحور حول النقاط التالية.
1- لا يخفى عليك أن ملك سيدنا سليمان لا ينبغي لأحد من بعده (ومنها تسخير الجن والشياطين في خدمته).
2- يستحيل للإنسان رؤية الجن والشياطين.
3- لا يمكن لأحد علم الغيب غير الله.
4- عصر المعجزات قد ولى ويستحيل أن تكون عند أشخاص بسطاء في عصرنا.
*/أظن أن هذه النقاط الأربعة بديهية والدليل عليها موجود في القرآن والسنة ولا داعي لذكرها فشخصك على علم بها من دون شك.
إلا أنه يلاحظ في مجتمعنا ادعاء السحرة لامتلاك تلك القدرات، وهو الشيء الذي يتنافى بطبيعة الحال مع ما هو معروف لدينا باستحالتها باعتبار النقاط الأربعة التي تم ذكرها سابقة.
شخصياً لم أتأكد من هذه الأمور ولم تسنى لي الفرصة لذلك بل أجدد القول أني فقط سمعت ذلك.
سؤالي هو هل فعلاً ادعاء السحرة بقدراتهم صحيحة أم أن الأمر مجرد خدع؟
قبل الإجابة نورد التعليق على النقاط التي تفضلت بها وتوضيح بعض الجوانب فيها.
1- (تسخير الشياطين والجان لسيدنا سليمان) هو ملك سيدنا سليمان طالما أن سيدنا سليمان منحه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فكيف يدَّعي سحرة العصر أنهم يُسخِّرون الشياطين وجعلوا من أنفسهم "كل واحد منهم جعل من نفسه" النبي الرسول الملك سيدنا سليمان خداعاً وزوراً فهل يصدقهم من في رأسه ذرة من فكر، هؤلاء كذّابون لا تسخير لهم للشياطين ولا يستطيعون ولا يقدرون لكنهم أحياناً يخدعون البصر (خداع بصر).
كما أنهم يجعلون "والعياذ بالله" من أنفسهم آلهة كل واحد يقول عن نفسه أنَّه (الله) لأنهم يدَّعون أنهم يعلمون الغيب و (لا يعلم الغيب إلا الله).
أما هؤلاء السحرة المشعوذون فلا سيطرة لهم على الجن بل العكس تماماً فالشياطين يسخِّرونهم لتحقيق الأذى والضرر بالناس في عالم الإنس، فالسحرة تحت الشياطين {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} سورة الجن: الآية (6). وهذا موضح في سورة العلق من جزء عمَّ للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو.
والآن لنعود لسيرة سيدنا العظيم سليمان عليه السلام ونخلص من شر الوسواس الخناس من (الجِنَّة): شياطين الجن، (والناس): شياطين الإنس وهم السحرة.
ونبدأ بالآية: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي..} سورة ص: الآية (35): أي من بعدي من الملوك المضلين في زمنه، لأن الله وضع رسالته في ذلك الزمان عنده لزمانه فقط، ولا علاقة له في غير أزمنة. فلكل رسول وظيفته في زمنه فلا علاقة لسيدنا سليمان عليه السلام بزمن سيدنا عيسى عليه السلام المكلف بزمانه وسيدنا محمد ﷺ هو مكلَّف بزمنه وعلاقته مع أهل زمانه فقط وهو شهيد عليهم ما دام فيهم فإذا انتقل فماذا يفيد ذلك لأزمنة أخرى؟!
ولأنه كان ﷺ ملكاً وأُرسل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فيسعدوا دنيا وآخرة ويحلَّ السلام والأمان ومن هنا جاء معنى اسم (سليمان) أي: من المسالمة وبما أن ملوك الأرض يسعون في الأرض فساداً ويشقون البشر ويستغلونهم من أجل أمجادهم الزائفة فيملؤون الأرض ظلماً وجوراً وهو يريد أن يملأها قسطاً وعدلاً فطلب من الله تعالى أن يمده بملك لا ينبغي لهؤلاء المضلين، وأن يكون له لأن الناس تتجه نحو القوة فأحب أن يتجه باتجاه القوة ويستخدمها نحو الرحمة، فبما أنه رحيم وغيور على الخلق ولا يحب لهم النيران فقد شدَّ بالتدريب على الخيل ولكنه وجدها لا توفي ولا تكفي بطموحه لإنقاذ الخلق، فطلب أن يعطيه الله مُلْكاً عظيماً في زمنه ومن أجل أهل زمانه الذي كان مكلَّفاً بهم، ولم يكن طلبه من أجل التعالي والمجد الزائف بل بغية مرضاة الله وإنقاذ عباده وإسعادهم، عندها منحه الله ذلك: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ..} سورة ص: الآية (36): حيث أراد أن ينتقل هو وجنوده فتنقله بساعة زمنية مسيرة شهر، كما أن الريح الآن تستعملها الطائرات من أجل الانتقال والنقل من مكان لآخر ولكن تلك أقوى من هذه بكثير، كما سخر له الشياطين وكذلك آمنت الجن لسيدنا محمد ﷺ وأصبحوا هداة للجن بزمنه كما هي مذكورة في القرآن، حتى أنهم كانوا يستخدمون السمع فلم يعودوا يستطيعون ذلك.
فهذه السيطرة على الأشرار من عالم الإنس والجن جعلها الله للرسول أو النبي، وجعل الله لهم السيطرة والهيمنة عليهم بواسطة جنود رسول الله من الملائكة لقولهم {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} سورة الجن: الآية (8-9). ولأنَّ الملائكة جنود رسول الله الذين يصلون عليه تلاحقهم {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ..} سورة الأحزاب: الآية (56). حتى قالوا وهم يفرون بأرواحهم {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} سورة الجن: الآية (12). عندها أتوا إلى رسول الله الذي عرفوا أنه هو سبب ما جاءهم وحلَّ بهم، فسخَّروا أنفسهم لخدمته ونشر القرآن بين قبائل الجان وكانت نهضة عظيمة. هذا التسخير يتم بشكل أو آخر من الله لرسله، أما سيدنا سليمان فكان يبغي أن يتغلب على الملوك المضلين الضالّين الفاسدين المفسدين الذين يريدون سفك الدماء ونشر التفرقة والفساد في الأرض فأعطاه الله طلبه العالي. {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..} سورة غافر: الآية (60).
أما عن النقطة الثانية وقولك يستحيل رؤية الجن والشياطين.
نقول: يا أخي هؤلاء الذين يقولون أنهم يرون الجِنَّة والشياطين، هم مرضى بالأعصاب أي أنهم بخروج أنفسهم عن وظيفتها يتوهمون أنهم يرون ما يرون ويقولون أقوالاً لا يشاهدها أحد مدَّعين أنهم يشاهدون ما لا يشاهده أحد.
وإذا ذهب امرؤ إلى المشافي العقلية (مرستان) يجدهم كلهم يتكلمون بهذا الكلام وهم مجانين، هؤلاء عندهم أمراض بالأعصاب فيتخيلون ما يتخيلون ولا يشهد أحد مِنْ حولهم هذا التخييل، كلُّه خيال وكذب ودجل لأنهم يتكلمون بما لا يراه أحد. فهل تصدق ما لا ترى؟ ونحن مثلكَ لا نصدق حتى نرى، كما قال رسول الله ﷺ: (نحن أمة أميَّة نؤمن بما نشهد ونرى).
أما عن سؤالك هل يملك السحرة تلك القدرات من علم الغيب والعلم عن أسرار النفس.
الجواب: كلا لا يستطيع أيُّ ساحر أن يعلم الغيب، ولا أيُّ شيطان له علم بالغيب بدليل أن سيدنا سليمان كشفهم وأظهر دجلهم وادعاءهم الباطل والكاذب حينما أمر أصحابه المقربين له أن يضعوه بعد موته على كرسي وهو جالس عليه يحمل عصاه ويراقب العمال من الشياطين من على نافذةٍ أو شرفة القصر الذي هو على تلة فكان يُرى من مسافات وقد وضع عصاه واستند عليها كأنه حي تماماً ولم يتوفَ، فكانوا ينظرون إليه من بُعْدٍ فيشاهدونه وترتعد فرائصهم من هيبته، وكان قد كلَّفهم بصناعات عديدة لأبنية وأسلحة يصنعون له ما يشاء وأشغال شاقة تلهيهم عن ضلال الناس وإفسادهم ويصنعون المحاريب والتماثيل، أي أدوات حربية تماثل ما عند العدو من أسلحة و {..وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ..} حلَّات طعام ضخمة جداً تتسع لطهي الطعام لعشرات الألوف من الجند أو أكثر وغيرها.
وقد سخَّر سيدنا سليمان الجان الشاذين، أي الشياطين منهم المجرمين لهذه الأعمال الشاقة، فبقوا بهذه الأعمال مدة تزيد عن /40/ سنة وهم يظنون أنه لا يزال حيّاً حتى سوست العصا وكسرت وهوى جسده الشريف عليه السلام على الأرض، عندها انكشف أمر انتقاله، وعلموا أنه متوفى، فالعصا أَخَّرته وأجَّلت نبأ وفاته هذه المدة، لذا سُمِّيت: (منسأة) والمنسأة من التأخير هذه المدة، وظهر أمر الجن أنهم لا يعلمون الغيب وأنهم دجالون كذابون، فلو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب المهين أكثر من أربعين سنة وهم يظنونه حي يرزق وهو قد انتقل إلى جنات ربه فبقوا أكثر من /40/ سنة بالعذاب المهين كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} سورة سبأ: الآية (14). فلو كانوا يعلمون الغيب لعلموا على الأقل أنه قد توفى ولما لبثوا في الأعمال الشاقة، عندها انكشف أمرهم للناس جميعاً وانكشف أن الشياطين والسحرة أيضاً لا يعلمون الغيب أبداً.
{..مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ..}: أي أكل السوس عصاه التي كان يستند عليها {..فَلَمَّا خَرَّ..} تبينت الجن للناس جميعاً أنه لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب المهين، أي: الأعمال الشاقة المذلة لكبت شرورهم وأذاهم للناس.
وأيضاً الدليل الثاني: الجن والشياطين أبداً لا يعلمون الغيب فإن استرقوا شيئاً من الغيب، أي استرقوا السمع كما ورد في القرآن الكريم حتماً أتاهم شهاب ثاقب فحرقهم بدليل: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} سورة الصافات: الآية (10). أنه من استرق السمع يلحقه شهاب ثاقب حينما يصعدون إلى السماء ليسرقوا المعلومات التي تأتي بالأوامر الإلۤهية إلى الملائكة، والتي فيها غيبيات اليوم الثاني وحتماً ستقع وهم قد اتخذوا مقاعد للسمع فإذا استرق أحدهم السمع ليتكلم للناس بالمغيبات وتقع، فهذا قد حكم على نفسه بالإعدام.
إذن: السحرة لا تعلم الغيب أبداً كما تفضلت يا أخي.
أما عن أسرار النفس والمعلومات الشخصية للإنسان فهذا يعود للإنسان ذاته، إذا كان قد أسلمهم قياده واتخذ الشياطين له شركاء وأولياء فهذا قد أطلعهم على ما في نفسه بذاته لأنه سلَّمهم قياده، لأن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} سورة النحل: الآية (100). هؤلاء قرناؤه يطلعهم، فيظن هذا الذي ترك ربه ودينه وسرى مع أعدائه الذين عادوا أباه آدم عليه السلام مع إبليس الخبيث، سلَّم زمامه للعدو عندها بواسطة قرنائهم يخبرونهم عن الأنجاس مثلهم لإخراج ما فيهم من خبث فيظنون أنهم يعلمون الغيب وهم لا يعلمون شيئاً وليس عندهم إلا الدجل وليس لهم أية ميزة، بل هم أذلاء حقراء (شحاذون) يطلبون مال الناس، فليفر المرء منهم كما يفر من الأسد لأنهم نجس في نجس.
أما إن كان مؤمناً مستعصماً بالله وعائذاً به هذا ينغمر بالنور الإلۤهي، فلا سلطان للشيطان عليه بل يحترق إذا اقترب.