ما هي الحياة بالمفهوم الإسلامي وما النوع الآخر للحياة كيف تكون حياتنا سعيدة؟

ما هي الحياة بالمفهوم الإسلامي وما النوع الآخر للحياة كيف تكون حياتنا سعيدة ونحن في راحة؟


الحياة في المفهوم الإسلامي
الحياة جد وليست للهو وللَّعب بل هي للجدِّ والاكتساب، فالله تعالى لم يجعل الإنسان دائم الشباب وفي أفعوان شبابه المتألق البهيج، بل الجمال متبدل ثم الهرم والشيخوخة والفقدان والزوال، فلو كان للهو لجعل الجمال متزايد وفتوة الشباب دائمة ولو كان للعب لما كان هناك نغص ولا آلام.
إن الحياة لها ما بعدها وهي مدرسة جدٍّ واجتهاد لنوال عظيم المراتب والمعارج.
ليست الدنيا لقضاء شهوات ضحلة يعقبها الآلام والشقاء ومن ثم الفقدان والخزي والعار وتزول وتبقى آثارها المخزية ملطخة على صفحات النفس.

كنّا في العالم الذي يسمونه عالم الأزل بجنة واحدة، خلقنا الله لنوال جنات متعددة متسامية متشاهقة لهذا حمل الإنسان الأمانة والتكليف العظيم المردود. لنبقى مستديمي الوجهة إليه تعالى ولا ننظر للدنيا إلا بنوره، أي بالحدود التي وضعها لنا فلا نشقى ولا نتعس.
فكل شيء يملَّه المرء مع الزمن وطولته حتى الأهل والوطن وأنواع الأطعمة والأمكنة إلا الله. فالدنيا محدودة بكل وجوهها والنفس تشبع وتملُّ المحدود وطاقاتها غير محدودة ولا يشبعها إلا الذي خلقها، فهيَ تبتغي التجديد وحب الاستطلاع وتعاف الإيلاف وتشغف بالازدياد والبدع من مبدع السموات والأرض خالق الجمال والجلال والبهاء، فالحياة بالمفهوم الإسلامي ممزوجة بالنعيم والغبطة والمسرات وذلك بحياة القلوب من الحي القيوم "بالصلاة المبنية على الإيمان"
عندما يضحِّي المرء بالدنيا الفانية ويطمح للباقي الدائم يبدله عزَّ وجل حياة قلبية تغذِّيه وتغنيه عن جميع الشهوات وهذه الحياة الدنيا تفنى ويفنى نعيمها وما عند الله باق، لذا المؤمن المشاهد لا يهتم إن أقبلت الدنيا أو أدبرت، فباتصاله بالله صار من الأحياء عند ربهم يرزقون الجنات وغدا سميعاً عليماً بصيراً، وتلك هي الحياة الباقية السرمدية التي لا حدَّ لها ولا انتهاء، وما الحياة الدنيا تجاهها إلا طرفة عين أو أقل من ذلك.

ألم تسمع ما قاله أبو يزيد البسطامي حين قال: (إن في قلبي نعيماً لو اطَّلع عليه الملوك لقاتلوني عليه بالسيوف): أي لو ذاق الملوك بقلوبهم وشاهدوا فيوضات الخالق عليَّ بصلاتي به، لصغر ملكهم بعيونهم وزهدوا به وتخلُّوا عنه طالبين السعادة التي نِلتُها بالله ومن الله. كما تخلَّى سحرة فرعون حين اتصلوا بالله بواسطة سراجهم المنير سيدنا موسى ﷺ فأشاحوا عن ملك فرعون وضحُّوا بالدنيا ونالوا السعادة من ربهم، وحين هدَّدهم فرعون بالموت قالوا: الدنيا لم يعدْ لها قيمة لدينا إنه من يأتِ ربه مؤمناً فِإن له الجنات العُلى.

فطوبى لمن آمن وأفلح في دنياه، وفاز بالإيمان نوالاً بتقرُّبه إليه تعالى بالعمل الطيب. فهذا هو الفلاح والفوز المبين وبه السعادة الدائمة التي لا تزول أبد الآباد: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}: إذن لا فلاح دون إيمان.
أما الذين أعرضوا عن خالقهم ولم يريدوا إلا الحياة الدنيا واهتمُّوا بجمع الدرهم والدينار فهؤلاء التعاسة لهم والبوار، فليس المال بمؤمِّن لهم ما يتطلَّبون من السعادة، قال تعالى في سورة طه (124): {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}: فَقَدَ ما خُلِق لأجله من الجنات والنعيم وباع آخرته الثمينة بشيء رخيص زائل كان مسخَّراً له، فانشغَلَ بما خُلق له وهو سراب تتظلَّل النفس متمتعة به فترة ثم يزول وكأنه ما كان.

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ     وكل نعيم لا محالة زائلُ

إذن: ما خلقنا الله إلا للسعادة المطلقة من كافة وجوهها فإن وجدت خلاف هذا فارجع إلى ذاتك وأصلح سيرتك واعلم أنك تنكَّبت الطريق السوي.
فآمن بالله تسعد، واعمل المعروف ترقَ بالسعادة مدارج ومعارج. الإيمان كمال الإنسانية.

قاعدة: أسعدْ تَسعد وأشقِ تشقَ.

والبحث هنا يطول فإن رمت الاستفاضة فارجع إلى بحث السعادة في كتاب "نظرات منيرة" لفضيلة العلامة الكبير محمد أمين شيخو.

زر الذهاب إلى الأعلى