ما معنى أن يموت الإنسان؟
السلام عليكم ورحمة الله
الأخوة الأعزاء كثر الكلام عن الموت وأنه سوف نموت ما معنى أن يموت الإنسان؟
ما معنى الموت: هو الانقطاع، إذ كلمة مَوَتَ تعني انقطع. فهذا الإنسان تراه يرفل بالحياة والنضارة والحركة والتمتع بصنوف الملذات والمسرات، فإذا جاءه الموت انقطع عن ذلك كله، كالإعصار يَهبُّ على المصباح الذي به تُرى المفاتن الدنيوية وزخارفها الخادعة المغررة، وهذا المصباح هو الإنسان فيه الروح وبهبوب الريح عليه وذهاب الروح انطفأت شعلته وخمدت حركته وتركته جثة خامدة وجسداً هامداً، فأين المصباح وأين الضياء وأين الحركة والحديث، وأين الـمُلك والصولجان للملوك والجيوش والنساء والطعام وصنوفها والشراب وأنواعه فهل يُرى منه من باقية! من للبنات والبنين والأطفال!
لقد انطفأت الشعلة وخمدت الحركة وهدأت العاصفة ومات هذا الإنسان وتوارى في التراب حتى يصبح تراباً تذروه الرياح. أهذا هو المصير؟! أفي هذه الحفرة الضيّقة ينحصر المستقبل وتتصاغر الآمال! إنه ظلام مُطبق إنه كابوس أدهم. فَلِمَ خلقنا ولِمَ هذه الحياة؟ ألنعود للتراب؟! فَلِمَ الموت وماذا حقاً بعده؟
في الحقيقة خلق الله الموت عبرة لنا، نعتبر نحن الأحياء بما حلَّ قبلنا الذين سبقونا كيف كانت لهم قصور وأبنية وزروع ومقام كريم وبنين وبنات ونَعمة يتفكهون فيها، كلها زالت عنهم وأورثها الله قوماً آخرين، ولم تدم لهم أفتدوم لنا؟!
لم يخلقنا الله دفعة واحدة ويميتنا دفعة واحدة وهو قادرٌ على ذلك وهو على كل شيء قدير، بل خلقنا دفعات متتالية أجيالاً تتلو أجيال وأمماً سابقة تحلقها أمم. كل هذا لنفكر فنتوصل أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وليست بمقام لهذا الإنسان، فنفكر في الكون بحثاً عن الدائم الحقيقي لأن هذه الدنيا متاع زائل وسراب منقضٍ وكلها خيالات لا حقيقة فيها، نواصل تفكيرنا بهذا الكون العظيم فندرك أن الله خلق الخلق ولم يخلقه عبثاً إنما خلقه لغاية عظيمة لأن كل ما فيه يسير نحو هدف سامٍ وغاية ونظام دقيق.
إذن: لهذا الكون ما بعده وأنت يا إنسان جزء من هذا الكون أيتركك ربك؟!. هذا محال تصديقه: لابدَّ من حياة ثانية للجزاء والحساب. إذن عدم لا يكون. إن ما نراه موتاً واضمحلالاً إنما هو انتهاء مرحلة أولى وبداية لمرحلة ثانية وتحصيل للمرحلة السابقة.
فإذا خاف الإنسان من سوء المصير ومن القبر وظلامه ومن العقاب والحساب وعرف أن الدنيا مدرسة للجد والاجتهاد وليست بدار خلود، وأن الإنسان المعرض والذي لم يتعرف على نور ربه ولم يتوصل للإلۤه العظيم إذا جاءه الموت هوى وفقد الأنوار المادية وتجرَّد عن جسده ووقعت نفسه في ظلام دامس أدهم لأن النفس لا تموت إنما الذي يموت هو الجسد والنفس تذوق الموت ذوقاً فالإنسان كان معتمداً طيلة حياته على هذا الجسد وعلى حواسه والشهوات الدنيوية والآن زالت دفعة واحدة، ولم يبق له إلا آثارها المخزية ملطخة على صفحات نفسه وكان مرتكزاً على جسده والجسد محمولاً على الكون ومن خلاله يحصل على ما يريد، والآن تجرد عن جسده ولا مرتكز له فيهوي من علٍ في مكان سحيق وظلام مرعب وروائحه النتنة من سيِّئ أعماله تجعله مذموماً من قبل نفسه مدحوراً من الآخرين.
فإذا فكر الإنسان في مثل هذا يخشى ويخاف هذا المصير المرعب، ويطلب النجاة والخلاص ويلتجئ إلى فكره الذي يرسم له المخطط للبحث عن الحق والحقيقة وباجتماع النفس والفكر تدور دواليب الفكر على المليان حتى يتوصل للإلۤه العظيم الذي به النجاة والأمان ويرفده الله الكريم بفيوضات أنواره التي يشعر بها بالأمن والأمان فتزول عنه الآلام والمخاطر.
في الحقيقة لولا الخوف من الموت وإنذار المرسلين من الموت لما سار أحد في طريق الهدى إلا من رحم ربي فالموت والخوف من سوء المصير هو الدافع والمحرض للاستقامة وهو لجام النفس عن المحرمات.