ما صحة القول: (لا أعبدك طمعاً بالجنة ولا خوفاً من النار ولكني أعبدك لأنك رب تستحق العبادة)؟

السلام عليكم سيدي الفاضل
ما صحة هذه المقولة «لا أعبدك طمعا بالجنة ولا خوفاً من النار ولكني أعبدك لأنك رب تستحق العبادة» ومن الذي قالها وهل تنطبق على حالنا؟


الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
إن القائل لهذه المقولة معذور لأنه لا يدرك مفهوم النار ولا مفهوم الجنة، ولو عرف الحقيقة لما قال هذه المقولة.

وإليك مفهوم النار:
إن الذين لا يعلمون يظنون أن الله يحرق عباده بالنار ومعناها نفوا عنه الرحمة والعطف والحنان فلا يمكن لأم أن ترضى بحريق ابنها مهما ومهما، والحقيقة أن نار الله الموقدة هي مخدِّر يذهب الآلام والأحزان، وأن المجرم يشتهيها ويطلبها كما بالآية في سورة الذاريات (13) {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ}: فالفتنة هي الشيء المحبب الذي يهيم فيه الإنسان، لكنهم لم يدركوا الحقيقة التي أدركها عالمنا الحبيب العلامة الكبير فلم يميِّزوا بين نار جهنم ونار الحريق أي نار الله الموقدة، والحقيقة أن الله لا يحرق بها ولكن الإنسان الخسران القاسي القلب الذي ضيَّع مستقبله الأبدي على مذبح الدنيا الدنية، عند الموت وحين تنكشف له الحقائق بعد زوال الشهوات التي رانت على قلبه فجعلته وحشاً قاسياً لا رحمة في قلبه، أو شيطاناً مريداً أنكر الحق وأهله وأجرم بحق نفسه فحرمها الخيرات المعدة له عند الله كما حُرِم مشاهدة وجه الله الكريم بإجرامه وعاره وخجله وخسر المقام العظيم الذي بحمله للأمانة كان قد هُيَّأ له، لكنه هو تكبَّر وتجبَّر وحرم نفسه والله لم يقصِّر في حقه لحظة في الحياة بل وهبه السمع والبصر والنَفَسَ ولذيذ الطعام والشراب وأمدَّه واعتنى به وبجسمه بالمنام وهو نائم ومستيقظ ولم تلفته هذه الرحمة والحنان إليه تعالى بل بقي سادراً في إعراضه، فكان من الخاسرين ولم يكن من الفائزين ووجد أن الله قد منحه كل خير وضيَّع كل الخير وأصبح بنظر نفسه مذموماً مجرماً خاسراً محروماً هو الذي حرم نفسه، عندها يذل فيرى عندئذٍ أنه لن يحوَّله عن هذه الآلام الجهنمية لأن معنى جهنم أي الذل والخسران، لقد خسر مقامه العظيم، ورأى أن النار {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ} هي التي تنسيه آلامه وأحزانه فيطلب العلاج بها ويجد أنها خير مما يلقاه من إجرامه ونار العار والبوار، فهو لا يخاف من نار الله الموقدة إنما يطلبها ليسلو بها عما هو فيه من نيران لا تطاق.
والحقيقة أن نار الله الموقدة هي بشرى له لينسى آلام نيرانه الجهنمية ويتحول عنها وليس الله هو الذي يحرقه حتى يخاف من ناره.

والله يقول: {..فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} كما يقول: {..َأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ..}: أي الصحبة لا تكون بالإكراه والإجبار ولكنهم هم صاحبوها لِما وجدوا فيها من عزاء وخلاص مؤقت عن آلامهم المرعبة.
{..هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: أي هم الذين خلدوا فيها لا الله الذي يحرقهم بها ويخلدهم فيها. و{خَالِدُونَ}: أي من ذاتهم لما يجدوا فيها من راحة من نيرانهم الجهنمية. إذن: هم الذين صاحبوها لا خوفاً منها بل لأنها تخدر آلامه فهي كالمخدر للمريض الذي ذهبت به علَّته وهي كالمشفى لمن شقي بآلامه فكيف يخاف المريض من المشفى يا أخي؟!
إن وجود المشفى للمريض هو بشرى له فكيف قائل هذه المقولة يقول أنه لا يخاف من نار الله، مع أن الله له الأسماء الحسنى وأنه لم يتجلَّ إلا باسم الرحمن الرحيم.

فالحقيقة: قائل هذه المقولة لم يعرف رحمة الله ولكن سمع ونقل أن الله يحرق فكان ظنه بربِّه حسناً وتكلَّم بألفاظ لم يدرك معناها، لم يدرك معنى النار. لأن البشرية في الحقيقة لم تدرك هذه المعاني السامية قبل أن ينطق بها سيدنا العلّامة الكبير.
كما لم يدرك صاحب هذه المقولة معنى الجنة كما بَّينها الفاتح لما أُغلق والهادي إلى معاني كلام الله العظيم.

الجنة: هي النعيم النفسي المستور الخفي يحس به ويشعر به من ذاقه وشاهده لأن الجنين في بطن أمه يكون مستوراً لم يُشاهَد بعد، كذلك المِجنَّة تستر أجساد الأموات، فالجنة هي أمر مستور ذاقه من شاهدها وبما أن الله تعالى هو خالق الجمال ومبدع كل كمال وكل اللذائذ هو وحده يخلقها ويمدُّ الخلائق بها لا شريك له.
إذن: إذا آمن الإنسان بعد أن طلب ربه بصدقه فوجده وشاهد طرفاً من أسمائه الحسنى وسرى النعيم والسعادة الكبرى إلى قلبه من أصل الجمال وخالقه فتجلى عليه ربه بما لو تجلى به على الكائنات لذابت حباً وهياماً فوصل إلى «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». أصبح في الجنة. والحقيقة أن الجنة به ومنه تعالى وفيه وإليه، فكيف الإنسان لا يطمع بربه ونوال فضله وعطائه وما يشاهده من إحسانه وهذا قانون النفوس البشرية لأنها جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، والإنسان عبد الإحسان فكيف يرفض الإحسان والإكرام والحب والرحمة والحنان، ألا يحب من أحبه ولم ينسه طرفة عين وهو جنين في بطن أمه والذي منحه السمع والبصر والذوق والتنفس ولا يستغني عن النَفَسِ دقائق قليلة كما لا يستغني عن بصره ولا عن ذوقه، فاللذائذ كلها بالله ومن الله، وبالصلة والصلاة بالله.

قول المقولة لا ينطبق على الواقع، إن الإنسان لا يطمع بالاتصال بالذي فيه الجنات كلها، بل العاقل الذي يقول: «إلۤهي أنت مقصودي» لأني محتاج إليك في كل أموري مفتقر إلى عطائك إلى الغذاء والعطاء والراحة بالنوم ولا يمنحها أحد سواك، إلۤهي أوجدتني وأحببتني قبل أن أراك وأحبك والآن عرفتك فأنت منبع الحب وبك الحب ومنك الخير وبك وبجناتك غاية وأقصى المنى.

هذا وبما أن قائل المقولة لم يَطَّلع على علم الإلۤه الذي أفاضه تعالى علينا من فم علّامتنا الشريف وعجزت البشرية أن تصل إلى هذا العلم السامي الرفيع، وهو الحقيقة التي لا ريب فيها، فهو معذور بمقولته ولكنها ألفاظ لم يدرك حقائق معانيها فكانت المقولة بحقيقتها خطأ مركب.
فأسماء الله كلها حسنى وكلها خير بخير علينا وعليك أيها الإنسان فنحن نطمع بلقاء الله ونوال جلال الله وجماله ولذيذ الصلاة به ولا نخاف من نار الله الموقدة بل نخاف من نيران جهنم التي إن أجرمنا انبثقت من أنفسنا فاحتجنا إلى المشفى المسكِّن لآلامنا لا جعلها الله لنا لزاماً.

بعد هذا العلم عرفنا حقيقة المقولة والفضل لمن علَّمنا لأنه كم أحب الله حتى بيَّن له حقائق الجنة والنار ونحن نحب الله لما يغزونا به من نعمه والجنات كلها نِعَمٌ بِنِعَمٌ ونحن الفقراء إلى الله وهو الغني المحسن المتفضل وكل الحب من الله.

زر الذهاب إلى الأعلى