لماذا لم يخلقنا الله في زمن سيدنا محمد ﷺ حتى نكون مثل الصحابة؟
(لماذا خلقنا الله في هذا الزمان الصعب زمن الفواحش والسفور ولم يخلقنا في زمن الرسول ﷺ؟ فلو خُلِقنا في زمن الرسول لكان وضعنا الإيماني أفضل أو يمكن أن نكون من الصحابة الكرام..) هذا السؤال نشأ في نفسي وأعتقد أنه موجود في ذهن أغلب الناس، وأنا وجدت إنسانا عظيما أجابني إجابة منطقية صاعقة، تبين فيها رحمة الله بنا وما كان سيحل بنا لو خلقنا في ذلك الزمن ولكن وضعت هذا السؤال لكي تردوا على من يفكر بهذا السؤال كما كنت أنا مع جزيل الشكر لكم.
يقول سبحانه وتعالى: {وربّك يخلق ما يشاء ويختار..} سورة القصص، الآية (68): ويختار للإنسان ما فيه خيره وصلاحه. {..وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ..} سورة الزمر، الآية (7)، فلو خلقنا في زمن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم زمن الصادقين العظماء المخلصين لكان وضعنا كوضع المنافقين (لا سمح الله).
ذلك الزمان فيه التفاني والإخلاص والإيثار بأجلى معانيه، فيه العبادة الكاملة بأسمى صورها، فيه التقشف والصبر، فيه الزهد الحقيقي، فيه الجهاد العظيم وحمل السلاح وفتح البلاد وقلوب العباد، حقاً لقد كان الصحابة الكرام: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}: سورة النور، الآية (37). لقد كان الصحب الكرام تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم، لقد كان الصحابة الكرام يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتلون آيات الله آناء الليل وأطراف النهار. وكانوا وكانوا... وهكذا مهما عدّدت من صفاتهم رضوان الله عليهم ستجد نفسك عاجزاً عن الإحاطة بما اتصفوا به رضوان الله عليهم من صفات الكمال.
أمّا إذا نظرت لوضعنا الآن لن تجد رجالاً بهذه الصفات إلا من رحم ربّي. وهكذا، فمع وضعنا الآن لو قدّر لنا أن نكون في ذلك العهد لكنَّا أشبه بالمنافقين. بل لما استطعنا أن نقوم بالكثير مما يقوم به هؤلاء الرجال، ولما زدناهم إلا خبالاً ولأوضعنا بينهم الفتن وارتكبنا آثاماً لا تحصى. أو ربّما اتهمناهم بالغلو في العبادة، وبالجنون، وربّما لم نسر بسيرهم أبداً، بل لكذّبنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وربّك رحيم وحكيم ومن رحمته بنا أتى بنا في هذا الزمن المناسب لوضعنا، وصدقنا وعبادتنا وطاعتنا.
ونضرب على ذلك مثلاً:
الأستاذ في المدرسة تجد أنّه أحيانا يفصل بين الطلاب المجتهدين والمقصّرين فيجعل هؤلاء في صف والآخرين في صفّ آخر. فلم ذاك؟
إنّه من خوف الأستاذ على الطلاب المجتهدين أن يؤذيهم الطلاب الكسالى بكسلهم وتهاونهم في دروسهم يفصلهم عن بعضهم ويجعل كلاً منهم في صفّ.
وأحياناً ينصح أهل الطالب المجد ابنهم بأن لا يمشي مع الطلاب الكسالى، حتى لا يلهيه هؤلاء عن جدّه واجتهاده.
فمجيئنا في هذا الزمن فيه حكم عظيمة. علماً بأنّه من اجتهد من هؤلاء الذين أتى بهم سبحانه وتعالى في هذا الزمن وجدَّ وأعطى طريق الإيمان حقّه من الوجهة الصادقة والإخلاص الحقيقي لتفضّل سبحانه وتعالى عليه بفضل عظيم لم يتفضّل به على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. قال تعالى عمّن يأتي بعد الصحابة الكرام:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ..}: مثلهم سيكونون ومن نفس النوع الصادق هذا{..لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ..}: بالزمن، يأتي أناس عظماء وعلى مرّ الزمن من أمثال الصحب الكرام {..وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} سورة الجمعة، الآيات (2-4).
والأجر على قدر المشقّة، فالأجر الآن أعظم من الأجر في الزمان الماضي بكثير.
فليكن لديك أيها الإنسان همّة عالية واهتمام بالحقّ وسلوك طريق الإيمان الحقيقي الذي سلكه الرسل الكرام وصحبهم العظام، والله لن يترك عملك وسيضاعف لك أجرك، وينيلك أحسن الجزاء.