استفسارات عن قصة سيدنا سليمان عليه السلام مع الهدهد.

استفسارات عن هدهد سيدنا سليمان عليه السلام:
1- {وتفقد الطير} لماذا يتفقد نبي الله سليمان الطير؟ هل هو مبعوث من الله إلى الطيور؟ وأي طيور؟ أم الهداهد فقط؟
2- {مالي لا أرى الهدهد} كلمة الهدهد معرفة بالألف واللام، فهل هو هدهد واحد أم كثيرة؟
3- {أم كان من الغائبين} كلمة: الغائبين تستعمل لجمع العاقل، أما لغير العاقل فتستخدم كلمة: غائبة. مثل: النسور الجارحة، الضباع القاتلة. فهل الهدهد عاقل؟
4- {لأعذبنه} هل يتوعد نبي الله طيرا ضعيفاً بالعذاب؟ وما العبرة من ذبح طير يستطيع الأطفال ذبحه؟
5- {ليأتيني بسلطان مبين} هل ينتظر نبي الله سلطانا مبينا من حيوان غير مكلف؟
6- {أحطت بما لم تحط به} ما هذه القدرات العجيبة لهذا الطير؟
7- {من سبأ بنبأ يقين} فهل يدرك الحيوان ويميز بين الخبر الكاذب والخبر اليقين؟
8- إلى آخر الآيات حيث يتحدث الطير عن عرشها العظيم وعن الشيطان وعن السبيل والهداية.
9- ثم بعد هذا يشكك النبي بكلامه، فإن كان هذا الطير معجزة فهل يشكك نبي الله بكلام المعجزة؟ وإن لم يكن معجزة فهل كل الطيور مشابهة لهذا الطير وتعرف طريق الهداية والضلال وفعل الشيطان وعبادة الأوثان؟؟
10- {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم} أي كتاب هذا الذي يحمله طير، هل هو شفهي، أم مكتوب؟ وكيف سليقيه إليهم.
فقصة الهدهد مع سيدنا سليمان غامضة، فأرى أن سيدنا سليمان يتصرف تصرفات غريبة، وأرى الهدهد أشبه ما يكون برجل مؤمن، وإسلام مملكة سبأ كلها بصحيفته، وكلهم بصحيفة سيدنا سليمان عليه السلام.
أرجو الشرح والتفصيل. وشكرا


أخي الكريم للإجابة على أسئلتك لابد من شرح الآيات الكريمة وترابطها ببعضها لذلك نورد لك الآيات التي تتحدث عن القصة، فالقرآن لا يُفهم إلا بترابط آياته:

16- {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} سورة النمل: الآية (16):
{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا..}: علمنا الله. {..مَنطِقَ الطَّيْرِ..}: إذن هو يعرف التكلم مع الطير وكل الرسل تتكلم معهم لكن بزمن سيدنا سليمان معجزة. ظهرت أمام الناس جميعاً. {..وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ..}: لأنه عليه السلام دعا ربه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) سورة ص: الآية (35): من بعدي من الملوك المضلين بزماني. وذلك لردهم إلى الحق والهدى فرأى عليه السلام أن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بأن يحمل السيف بيد وكتاب الله باليد الأخرى لإنقاذ إخوته في الإنسانية فسخر الله له الريح والجن تعمل بأمره والطير والإنس. {..إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}.

17- {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}: يُفرَّقون ويُنظَّمون، يُوزَّعون صنوفاً في إعدادٍ قتالي: قبائل، عشائر، طير، جن...

20- {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}:
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ..}: مجموعة الطيور فلاحظ غياب الهدهد: وهو طير واحد.
{..فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}:
الهدهد: الهدى جاء عن طريق ما هدّى.
العظيم لا يطرق إلا أشياء عظيمة ولو طرق شيئاً صغيراً يكون وراء ذلك قصد عظيم، سيدنا سليمان عليه السلام وراء كلامه هذا قصد عظيم حيث كان جامعَ الجيوش وخارجاً لضرب قوة ضاربة، إلا أنه لم ينبِّئ جيشه عن قصده. جاء الهدهد وحقق المهمة والله سبحانه أطلع سيدنا سليمان على الأمر وبهذا الأسلوب انحلّت قضيةُ ومهمةُ سيدنا سليمان ﷺ بواسطة الهدهد، ولم يُقتَل أحدٌ وجاؤوه مسلمين.
وهكذا يريد الله تعالى أن تأتي الناس للهدى دون قتال لأن الله لا يحب القتال لعباده والله بهذا يريد أن يعلمنا درساً من وراء هذه الآية أن لا ننظر لكلام الرسول نظرة نقص لأن هذه النظرة تُهلك صاحبها وتجعله يُعرض عنه ﷺ ويقع في الرذيلة.

21- {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}:
{لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ..}: الذين لم يقدروا رسولهم ولم يعظموا سيدنا سليمان، اعترضوا في أنفسهم فقالوا أمن أجل طير صغير يوقف الجيش العظيم ويهدد طيراً بالذبح والعذاب؟. فما عساه أن يفعل طير؟!
أما الذين آمنوا أدركوا أن وراء كلام سيدنا سليمان هذا أمر عظيم فلا يصدر عن العظيم إلا أمور عظيمة وكلام سيدنا سليمان هذا للفت انتباه المؤمنين، فلا يفهم على الرسول إلا المؤمنون وغير المؤمن يستنكر ويعترض المؤمن يقدر ويعظم فترتفع درجته الإيمانية وهذا هو مراد سيدنا سليمان.
{..أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}: ليُبرئ ساحته.
كذلك يضرب الله مثلاً كيف أن طيراً بما جُبلت نفسه على الطهارة والخير يعلم المفسد من المصلح والمؤمن من الكافر. وهذا الهدهد مثال واحد وجميع الحيوانات كذلك لديها نفس التمييز.

22- {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}:
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ..}: قال الهدهد لسيدنا سليمان عليه السلام. {..أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}: ولكن كيف تكلم الهدهد مع سيدنا سليمان العظيم بمثل هذا؟
الإنسان فقط هو الذي يقدر الرسول، الحيوان لا يقدر الرسول لأنه غير مكلف، فتكلم ما تكلم وهو غير مؤاخذ على هذا، والله يقول لنا بهذه الآية إياكم أن تكونوا مثل الهدهد "حيوان" فكل شخص لا يقدر الرسول فهو في صنف الحيوانية ولا يدخل الجنة لا يدخلها إلا الإنسان الذي يقدر رسل الله (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ..) سورة آل عمران: الآية (194).
قَدِّرْ رسول الله حتى تخلص من الشهوات وتصبح صحابياً جليلاً. الذي لا يفكِّر لا يقدِّر الرسول يرى نفسه أفهم وأعلم من رسول الله.

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته     قومٌ نيامٌ تسلَّوْا عنه بالحلم

23- {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}:
سلَّموا أمرهم لامرأة وعندها قصر عظيم.

24- {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}:
تكلم الهدهد عما رآه وشاهده وهو لا يكذب وهكذا كل المخلوقات تستنكر على المعرض بُعده عن الله، والحيوان مخلوق لم يحمل التكليف فهو نفس متصلة بالله لم تنقطع عنه ويعجب من الناس كيف تركوا الله وطلبوا الفضل والخير من سواه.

25- {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}
{أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ..}: أليس جديراً أن يسجدوا لمن خلقهم ويروا الفضل فضله تعالى ويطلبون من مسيِّرهم وممدهم وحده. هذا قول الهدهد. {..الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}: يتكلم الهدهد عن مشاهداته فهو في شهود حقيقي لما يقول.

26- {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}:
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ..}: لا مسيّر إلا هو سبحانه. {..رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}: رب التجلي العظيم الذي به قيام الكائنات وحياتها ونماؤها.
هذه هي مشاهدات الهدهد والإنسان هو المكلف ولديه المقدرة والإمكانية ليصل لأرقى من الهدهد ويسمو فوق جميع الخلائق إن وفّى بعهده وآمن بربه ولكن الكافر أعمى لا يعلم شيئاً وأحطّ المخلوقات (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) سورة الأنفال: الآية (55).
لكن سيدنا سليمان قال له:

27- {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}:
الحقيقة: سيدنا سليمان يعطي البشر دروساً وعبراً عن طريق الطير. الطير مادة البحث ووراءه بحوث عظيمة عالية.
الكذّاب لا يقدِّر الرسول. متى أطاع الإنسانُ رسول الله دخل الجنة، حيث أن الدنيا مجموعة طاعات إن طبقها ولم يقع بالمخالفة غداً يكون بسعادة لا شقاء بعدها.
ولكن لماذا تكلم سيدنا سليمان مع الهدهد بذلك وهو يعلم أن ما يخبر به حق وصدق، فلِمَ يشكك في قوله بكلمة: (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ). وهو يعلم أنه ليس من الكاذبين؟
الجواب: أهمل سيدنا سليمان الهدهد وما أخبر به لأن الهدهد معجبٌ بنفسه ودخل من مدخل الغرور فلم يعبأ سيدنا سليمان به واستخفَّ قوله، ليغضَّ من كبره وهذا درس لنا.

28- {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}:
والكتاب: مجموعة من أوراق تسمى كتاباً. أوجز فيها سيدنا سليمان دعوته إلى الله ودلالته السامية، والطيور قديماً كانوا يستخدمونها للبريد كالحمام الزاجل، حمَّل سيدنا سليمان هذه الأوراق "الكتاب" للهدهد وقال له ارم ِالكتاب واذهب لأيِّ شجرة وانظر ما يقولون.
الهدهد شاهد خوفهم وجُبنهم ورأى الكلَّ مسلِّمٌ الأمر للملكة بلقيس وعندما أخبر الهدهد سيدنا سليمان بذلك وبذا حكم عليه السلام حكمَهُ: (..قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) سورة النمل: الآية (38).

هذه هيه قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، والآيات بعد ذلك تنتقل للتحدث عن إيمان بلقيس وقومها وليس أجرُ إيمانهم بصحيفة الهدهد لأن الهدهد حيوان ولا نية له وما هو إلا أداة تنفيذ بيد سيدنا سليمان، وإيمان مملكة سبأ بصحيفة سيدنا سليمان عليه السلام وبتدبيره الخيِّر وعن طريق المسالمة دون سفك دماء وقتال جرَّهم للإيمان والهدى، ورغم ما لديه من جيش عظيم وقوة رهيبة ما كان يستعملها إلا للمسالمة، لأنه مبعوث من الله السلام فهو رسول السلام يريد للناس الهناء والأمن والسلام يريد هدايتهم ولا يريد قتلهم.

ملاحظة:
سألت لماذا وردت في الآية الكريمة كلمة: (أَمْ كانَ مِنَ الغَائِبين). وكلمة الغائبين تستعمل لجمع العاقل فهل الهدهد عاقل؟
الجواب:
أولاً الجيش يضم صنوفاً عديدة منها الإنس والجن والطير وليس الطيور فقط، وفي مثل ذلك يعامل غير العاقل معاملة العاقل هذا من الناحية اللغوية.
ومن ناحية أخرى ألا يعامل الهدهد معاملة العاقل وقد تحدث بمثل ما تحدث به وشرح وفصَّل، فهل البشر العميان لديهم عقل مثل عقل الهدهد؟ والعقل هو ما طبع في صفحات النفس.
الهدهد عقل الوجود الإلۤهي وفكَّر أفلا يعامل معاملة العاقلين حينها!

زر الذهاب إلى الأعلى