(إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق) هل يعني أن يتأنَّى الإنسان في تطبيق أمور الدين؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي سؤالين أود الإجابة على كليهما إذا كان ممكناً:
ورد عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه القول: ((إن هذا الدين عميق فتوغلوا فيه برفق))، فما المقصود من قول سيدنا عثمان رضي الله عنه؟ فمن هذا القول قد يخطر على بال البعض أن يتروّى في تطبيق أمور الدين وأن لا يحمِّل نفسه شيئاً، وقد يجعل النفس تحاول الهروب من سلطان الدين (والنفس أمارة بالسوء). فالقول يبدو أنّه قد قيل لمن يحاول أو يريد أن يطبق قوانين الإيمان (هذا ظاهره). أفيدونا بما أمدكم الله به من علم.
ملاحظة: أنا أحب أن أسألكم ولكن أستحي من كثرة أسئلتي فأخاف أن يكون سؤالي فقط للسؤال فأرجو إبداء الرأي في هذا الاستفسار فعسى أن انتفع بسؤالي.
أخي: ألا تذكر كيف أن الصحابة شدّوا على أنفسهم ليصلوا بسرعة فمنهم من حرم على نفسه الطعام ومنهم من حرم على نفسه النساء ومنهم من أراد صيام الدهر وجاءت الآيات بالصيام تنهاهم عن تلك الشدة التي ألزموا أنفسهم بها لسرعة الوصول فأعادهم تعالى إلى حقوقهم بالآية بسورة البقرة الآية 187: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}: وكانوا أول الأمر بعد الإفطار يتمنعون عن نسائهم والأكل ويحرمون أنفسهم من حقها. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}: أعادكم إلى حقكم. {وَعَفَا عَنْكُمْ}: خلَّصكم من هذه الشدة التي ألزمتم أنفسكم بها.
كذا من يريد أن يدرس العلوم ويصل إلى الدكتوراه بأيام أو أشهر أو سنة هل يصل! إن شدّد على نفسه أكثر من طاقتها أهلكها ولم يبلغ الهدف. وهناك أحد أبطال العالم شدّد على ابنه بالتدريب رغبة أن يحل بالبطولة مكانه والغلام وعمره لم يبلغ الثالثة عشر وكان مطيعاً لذا وأثناء التدريب القاسي سقط على الأرض ميتاً لا حراك فيه.
وفي الحديث الشريف: (إنّ المُنْبَت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى): وهو الذي يشد على راحلته فيضنيها ويجبرها وفي منتصف الطريق تهلك من النصب والتعب وتقع ميتة فينقطع بالطريق ومعه بضاعته فلا هو أرضاً قطع ليصل إلى بلده ولا ظهراً أبقى إذ أمات راحلته.
إذا كان العلم البشري القاصر تجاه علم الله العظيم يدرس فيه الإنسان ما يزيد عن عشرين سنةً ليأخذ فيه شهادة دكتوراه فهل إذا شدّ على نفسه بكثرة الدراسة والمطالعات الليل والنهار أيمكن الوصول بأشهر!
هذه علوم دنيوية ظاهرية فما رأيك بعلم الله العظيم ووسعته الذي وسع السموات والأرض ومن فيهنّ! هل يصل إليه ويحيط به بإنهاك نفسه وربما يفقد صحته فيخسر كل شيء!
إذن: (إنّ هذا الدين عميق).
أي واسع لا حدّ له ولا انتهاء وكلّه خيرات (فأوغلوا فيه برفق): أي بتؤدة ونظام وأوقات محدّدة تتلقّى نفسه فيها العلم من أهل فلا تطول كثيراً خشية الملل ووقت محدّد للمراجعة ووقت للتطبيق أي درجة فدرجة فيصل لذرى المعالي لا قفزة واحدة قد تؤدي إلى الهلاك.