|
 |
|
|
|
عرض الأمانة وتصدِّي الإنسان في عالم الأزل لحملها
|
ما هي الأمانة؟.
|
|
لا بدَّ لنا لفهم المراد من كلمة {الأمانة} من أن نقدِّم مثالاً فنقول: لو أنِّي كنت أملك متاعاً من الأمتعة وأودعته صديقاً لي شريطة أن أسترده منه بعد حين، فهذا المتاع الذي هو ملكي ما دام عند صديقي فهو أمانة في يده. وكذلك المخلوقات إرادتها في الأصل مُلك لخالقها ومُوجدها وهي مرهونة لأمره تعالى فلا تملك إرادة ولا اختياراً. وقد أراد تعالى كما قدَّمنا آنفاً أن يعطي الأنفس أكبر عطاء فبيَّن الوسيلة التي تصل بها إلى نيل هذا العطاء وذلك بأن عرض عليها أن يجعل إرادتها التي هي مُلكه تعالى أمانة بين يديها وأن يجعلها حرّةً في اختيارها السير إلى أعمالها المتولِّدة عن شهواتها. إنَّ إعطاء هذه الإرادة والحرية في الاختيار هي ما نقصده بكلمة {الأمانة} التي مرَّت بنا في هذا العنوان. نعم لقد عرض تعالى الأمانة في عالم الأزل على الأنفس جميعها بلا استثناء ثمَّ بيَّن لها أن حمل الأمانة، وإن شئت فقل حرية الاختيار في السير إلى الأعمال، أمر ذو خطر عظيم. فإذا كان المخلوق يستطيع بهذه الوسيلة أن يرقى بعمله ويصل إلى مرتبةٍ دونها سائر المخلوقات فهو إلى جانب ذلك قد يهوي به عمله إلى درجة لا يمكن أن ينحط إليها أحد من العالمين. ولذلك ورحمة من الله تعالى بمخلوقاته بيَّن لها أنَّها إذا هي رضيت بحمل الأمانة وخرجت إلى الدنيا فسيرسل لها كتاباً يكون نبراساً ومرجعاً لها في أعمالها، فإذا هي استنارت بنوره تعالى لدى مباشرتها العمل المتولد عن الشهوة واستهدت به سبحانه واستلهمته الرُشد في سيرها فسيكون صراطها مستقيماً وسيرها مأموناً، وعملها متطابقاً مع طريق الحق الذي يبيِّنه كتابه تعالى وبذلك تُعصم من الزلل وتُحفظ من الوقوع في الأذى والضرر ويكون عملها سبباً في رُقيّها وتساميها فإذا هي جاءته تعالى بعد موتها كان لها من أعمالها العالية الإنسانية سند تعتمد عليه في وجهتها، ومتكأ تتكىء عليه في إقبالها على ربِّها وهنالك تفوز بالقرب من جنابه الكريم وترقى رقيّاً أبديّاً متتالياً في جنَّات النعيم. أمَّا إذا هي حملت الأمانة ثم جاءت إلى الدنيا ولم تستنر بنوره تعالى ولم تستهد بهداه لدى سيرها إلى أعمالها فلا شك أنَّها ستخطئ طريق الحق الذي يصل بها إلى السعادة وستكون أعمالها كلّها أذى وإضراراً بالخلق فإذا هي جاءت خالقها بعد خروجها من الدنيا فعندئذٍ تقف بين يديه خجلى من أعمالها، ذليلة بما تحمله بين يديها من لؤمها ودناءتها وإنه ليحجبها عملها الدنيء عن الإقبال عليه تعالى فتغضي منه حياءً وخجلاً ولا تستطيع أن تقبل عليه بوجهها، ثمَّ أنها لتتذكَّر ما شهدته في عالم الأزل وتنظر إلى تفريطها في جنب الله وخسرانها ذلك الكنز العالي فتحرقها الحسرة حرقاً لاذعاً مؤلماً فلا تجد لها مأوى إلاَّ جهنم فترتمي بها لتغيب بألم النار وعذاب الحريق عن ألمها وعذابها النفسي الشديد. وفي الحديث الشريف: «إنَّ العارَ ليلزمُ المرءَ يوم القيامةِ حَتى يقولَ: يا ربِّ لإرسالُكَ بي إلى النار أيسرُ عليَّ مما ألقى، وإنه ليعلمُ ما فيها من شِدَّةِ العذاب..» الجامع الصغير /2059/ (ك). ذلك كله بيَّنه تعالى للأنفس يوم عرض عليها الأمانة فعرفته وعقلته، رأت ما وراء حمل الأمانة من الخيرات وما في خيانة الأمانة وما وراء التفريط من الحسرات. وهنالك وفي هذه اللحظة التي تجلَّى فيها الفضل الإلهي وتبدَّت العدالة الإلهية لسائر المخلوقات، أقول: في هذه اللحظة الحاسمة تقهقرت جميع المخلوقات ورهبت من التقدم لهذا الامتحان لما قد يتبعه من الفشل والشقاء وإن كان وراءه من السعادة والخيرات. نعم إنَّ الأنفس كلها أبت حمل الأمانة وأشفقت منها ولم يتقدم لحملها إلاَّ فئة واحدة غامرت مغامرة عظيمة، وعاهدت ربها على ألاَّ تنقطع عنه لحظة واحدة وهناك قَبِلَ ربها عهدها وميثاقها وأكبر مغامرتها ووعدها بجنة الخُلد إن هي وفَّت بعهدها. وإلى ذلك العرض وذاك العهد يُشير القرآن الكريم في قوله تعالى: {يَا أيُّها الذينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله وقُولُوا قَولاً سَديداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمَالكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوزاً عَظِيماً، إِنَّا عَرَضْنا الأمَانة عَلَى السَّمواتِ وَالأرضِ والجِبَالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحمِلْنها وَ أشْفقنَ مِنها وَحملَها الإنسان إِنهُ كَانَ ظَلوماً جَهُولاً} سورة الأحزاب: الآية 70 ـ72. وينطوي تحت كلمة {السَّمواتِ وَالأرضِ والجِبَالِ} ما فيهن من أنفس وما اشتملت عليه من مخلوقات. وتشمل كلمة {الإِنسَانُ} بحسب ما يُشير إليه القرآن الكريم في مواضع أخرى على أفراد النوع الإنساني والجان. أمَّا كلمة {إِنهُ كَانَ ظَلوماً جَهُولاً} فهي لا تعني إثبات الظلم والجهل للإنسان إنَّما هي كلمة مدح وإكبار، وقد جاءت في صيغة الاستفهام الاستنكاري محذوفة أداته زيادة في تقرير المعنى المُراد. إنَّها تقول: أكان الإنسان ظالماً لنفسه بعهده هذا؟. وهل كان جاهلاً ما وراء حمل الأمانة من الخيرات، أم أنه عرف ما وراء ذلك من سعادة لا تتناهى فتقدَّم وغامر وكان بذلك أكرم المخلوقات، ذلك كان موقفك أيُّها الإنسان في ذلك اليوم العظيم وتلك هي منزلتك بين سائر العالمين. لقد رضيت بالخروج إلى الدنيا دار العمل لتعمل صالحاً، وطلبت الشهوة لا لذاتها وما فيها من متعة بل لتكون دافعاً لك إلى الأعمال وغامرت إلى جانب ذلك كله في حمل الأمانة ليكون لأعمالك في نظرك شأن وقيمة عالية فرضيت بأن تكون حراً في اختيارك وأن تعطى إرادتك فينفِّذ لك ربُّك ما تريد ويهبك القوة على القيام به ثمَّ عاهدت ربَّك على أن تظل مستنيراً دوماً بنوره لتكون إرادتك متوافقة مع ما شرعه في كتابه ولئلا تزلَّ بك القدم أثناء اختيارك، نعم لقد طلبت ذلك كله لتكون أحظى المخلوقات بمعرفته تعالى وأوفرهم حظاً بمشاهدة جمال هذا الكنز العظيم والنظر إلى وجه ربك الكريم.
|
|
الملخَّص: سأل الله تعالى الخلق: ألست بربكم؟.
|
|
انقسموا إلى أربعة أقسام بالمنازل والدرجات: 1ـ فأناس نالوا الشهادة: وهم الرسل والأنبياء وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم نال أعلى درجة. 2ـ من بعدهم المؤمنون: وهم أقل درجةً «إنَّما بُعثت لأتمِمَ مكارمَ الأخلاق» أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة. 3ـ في الدنيا يسمو بصاحب القابلية، والعمر حتى إذا اجتهد ينال. فهنالك الراسبون إن نظروا وفكَّروا بهذا الكون وبالبداية والنهاية لهذا الخلق ينجحون، بل وينافسون السابقين. هؤلاء ينفعهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما بُعثت معلِّماً» أي معلِّماً للإيمان وطريق الإيمان بالله. 4ـ الذي لا جدوى له: جعل الله تعالى عمره قصيراً، دون البلوغ يموت قال تعالى: {..وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ..} سورة الأنعام: الآية (165).
|
|
لمَّا خلق الله تعالى الأنفس بيَّن لها الطريق
|
|
إن جئتم للدنيا وسلكتم طريق الحق ما انقطعتم عني واستنرتم بنوري ربحتم ربحاً عظيماً.. وإن لم تفعلوا خسرتم خسارة كبرى. فالإنس والجن قالوا نحن لها ولمَّا دبَّ تعالى الشهوة فيهم، أناس صدقوا وأناس في نفوسهم شهوة خبيثة، ونظر الله تعالى إلى الخلق ساعتئذٍ: فالذي صدق كسب الكمال.. سيخرج للدنيا ويظهر بكماله، هذا نجح. والذي لم يصدق وبقيت الشهوات في نفسه يُخرجها له ثمَّ يضيّق عليه لعلَّه يتوب ويرجع إلى رُشده. كمدرسة: أناس نجحوا في الدورة الأولى نجاحاً نهائياً.. وأناس لم ينجحوا في الدورة الأولى لذلك هذه الدنيا لهم بمثابة دورة ثانية ليتلافوا أمرهم. وهنا تفيد كلمة: {..إنَّ رَبَّكَ سَريعُ العِقَابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحيمٌ} سورة الأنعام: الآية (165).
|
|
عودة لبداية المقال
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|