وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ
هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
أَصْحَابُ الحِجْرِ
قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ
قصة هلاك قوم ثمود
تجدون في هذه القصّة:

1- دعوة الرسل واحدة في كل زمان ومكان لأنها من ربّ واحد.

2- قوم سيدنا صالح عليه السلام يقومون بإنكار رسالة سيدنا صالح لأنه دعاهم لما يخالف عقيدة آبائهم 

3- لمحة عن الحضارة التي كان يتمتّع بها قوم ثمود 

4- الحضارة والترف المادي يجلب الشقاء للنفوس البشرية بدل السعادة

5- سيدنا صالح عليه السلام يأتي قومه بآية عظيمة هم طلبوها ليؤمنوا برسالته

6- ثمود بدل أن يؤمنوا بمعجزة سيدنا صالح عليه السلام تآمروا على قتله

7- المكذّب بالحق نتيجته الشقاء دنيا وآخرة

لقد أرسل الله تعالى إلى ثمود أخاهم صالحاً فقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } سورة هود (61).
إن دعوة الرسل واحدة في كل زمان ومكان، وهي دعوة الناس إلى الله، وتعريفهم بكماله، وتبيان الحكمة من أوامره ونواهيه، ذلك لأن الإنسان إذا عرف ربه، فقد عرف كل شيء، ومن أضل نفسه عن ربه، فلن تجد له ولياً مرشداً، وعاش في ظلمات، وأعشته الضلالة عن معرفة الحقيقة، وأصبح لا يرى إلا صور الأشياء، وهكذا فإن الكافر ينظر إلى الحق بمنظار معكوس.
ولذلك عندما تخاطبهم رسلهم بالحق، يستنكرون دعوتهم، ويسفهون تصرفهم، لأنهم يخاطبونهم بمقلوب ما يفهمون على ظنِّهم الخاطئ. ويعملون من الطهارة والشرف والتضحيات بعكس ما يريدون من سفالات، فلا عجب إذاً أن يرى أعمى القلب ظلاماً في رابعة النهار الصائف، وأن يجادل في الحق بعدما تبيَّن، وهكذا استنكر قوم ثمود دعوة رسولهم لهم للعودة إلى الله، وأبدوا تعجبهم مما يدعوهم إليه: {قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا... }: ناظرين فيك أنك عاقل: {...أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا...}: أتأتينا بدين جديد؟!. كل من سبقنا سار على هذا الطريق!. هل جئتنا أنت بشيء جديد؟!. أتخالف كل من سبق؟!. {...وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} سورة هود (62): هذا شيء ظاهر خطؤه.
ومثل هذا الإنكار قد أنكره من بعدُ أهل مدين حينما: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا...}: طول عمرنا ونحن سائرون بهذا، والآن أنت وحدك فهمان!. كل الناس سائرون بهذا وكانوا يعبدون الأصنام: {...أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء...}:ألسنا أحراراً في أموالنا؟!. تمانعنا في التصرّف بها كما نشاء!. {...إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}  سورة هود (87):وكانوا من قبل يثنون عليه الثناء العظيم، فقالوا له: هل عقلك يدلّك على هذا الآن؟!. أهذا كلام المنطق؟!. .
ومثل ذلك قد يحصل اليوم أيضاً، فلو أوضحت لهم مساوئ حضارتهم، وبينت لهم أنها غدت مصدراً للشقاء والألم، وأن هذا الألم والشقاء، ينبع من نفس المصدر الذي يحسبه الناس سعادة، فاستبدلوه بدين الله الخالق الرازق، لاستنكروا عليك ذلك، واستهزأوا بك، واتهموك بالتهمة نفسها، التي اتهموا بها غيرك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ... }: إن قلت له لا تفسد الناس بعملك، بالبناء، بالزخرف والترف والملاهي، يقول لك هذه نِعَمٌ من الله، أترجع بنا إلى القرون الماضية.
قديماً ما كان عندهم مدنيّة: {... قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}: نحن في هذه الملاهي نتسلى تسلية لا نعمل شيئاً: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}: يظن نفسه محسناً: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ...}: إن قيل له انظر مَنْ قبلك وماذا فعلوا: {... قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء...}: هؤلاء كانوا جهالاً، لا مدنية عندهم، هل نحن خلقنا للعمل فقط؟. يجب أن نتسلى: {... أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ}  سورة البقرة (11ـ13): ما سيحلُّ بهم.
إن قوم ثمود كقوم عاد كانت لهم حضارة متقدمة، وكان طابعها المميز هو البناء، وبذلك سماهم تعالى: {.. أَصْحَابُ الحِجْرِ(1)...}  سورة الحجر (80).
لقد ساعد قوم ثمود على تشييد حضارتهم الغنى المادي الذي حصلوا عليه عن طريق التجارة أيضاً، والموقع التجاري الممتاز على طريق التجارة العالمية، وقد استثمروا تلك الأموال في استعمار(2) الأرض، فأنشأوا بها جنات تسقيها العيون، وبنوا في وسطها القصور(3) الشامخات، كذلك كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً يصطافون بها فارهين. قال تعالى على لسان سيدنا صالح عليه السلام:{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ}  سورة الشعراء(146): ظانين البقاء!. أتظنون أنه لا إۤله لهذا الكون قابض على ناصيتكم!. آمنين من الموت!. {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}: باقين، فكّر بمن سبق، مات وصار تحت التراب: {وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا...}: ثمرها. متسق ممشوق في الفضاء. {...هَضِيمٌ}:يهضم بسهولة. فقط للأكل!. {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا...}: تأخذون منها الحجارة لتبنوا القصور الضخمة المنتظمة والمرتبة: {... فَارِهِينَ}: رفاهية العيش. (كم بيَّن الله وحذّر من خطر التطاول في البنيان!. ذلك لعظيم خطره على الناس): {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ،وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ}: أسرفوا على أنفسهم {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} سورة الشعراء (147ـ152) : يحرضون وينشرون بأفعالهم الفساد بين الناس.
ويمكن القول أن ثمود خلفت عاداً بحضارتها ونسجت على منوالها، إلا أنها لم تفقْها قوة ولا علماً.
هذا وإذا رجعنا إلى الآيات التي ذكرناها آنفاً، وأمعنا النظر فيها ثانية، نرى أن صالحاً عليه السلام، قد حذرهم من تلك الحضارة، وبين لهم فسادها، وما تجلبه لهم من شقاء، كما جلبت لعادٍ الشقاء ومن ثم الهلاك قبلهم.
وبديهي أن يستنكر المترفون منهم دعوة سيدنا صالح عليه السلام، ويتهموه بشتى التهم. ذلك لأن معظم الناس لا تؤمن إلا بالرفاه المادي سبيلاً للسعادة، أو على الأقل هو أحد الأسباب الرئيسية لها.
أما الرسل، وهم الذين يرون بقلوبهم حقائق الأمور، فإنهم ينظرون إلى الرفاه المادي بعكس ما ينظر إليه المترفون، فالمترفون ينظرون إلى الأمور بمنظار معكوس، بينما الرسل تنظر إليه بنور من الله، فيرون ما لا يرى أولئك، إذ يرون حقائق الأمور، بينما المظاهر خدّاعة. ومن تلكما النظرتين، أو من اختلاف المفهومين، ينشأ الخلاف بين الرسل وأتباعهم من جهة، وبين المترفين وأشياعهم من جهة أخرى ولا يخفى ما للرفاه المادي وما يتلوه من تمايز طبقي وتفرقة وعداوة بين الفقراء والأغنياء في المجتمع حتى يكون سبباً للمترفين لتكذيب الرسل فالهلاك.
والآن نريد أن نبين الكيفية في توليد الفساد، ومن ثم الشقاء الذي يحسبه الناس سعادة.
إن الإنسان يظل بمعيشته راضياً إذا شاهد أفراد مجتمعه يعيشون المستوى نفسه، الذي يعيشه تقريباً. وهذا الرضى يظل باقياً، طالما لم ير غيره قد سبقه في هذا المضمار كثيراً.
فبيته مثلاً يبقى في عينه جميلاً، ما لم ير قصوراً منيفة قد أشيدت إلى جانبه، ويبقى مسروراً بأثاثه ولباسه، ما لم ير جاره قد استحدث من الأثاث واللباس، ما يفوق أثاثه، جودة وأناقة.
كذلك يظل مسروراً بمأكله ومشربه، وأماكن لهوه وعاداته وتقاليده، سواء كانت سيئة أو حسنة، ما لم ير الدنيا قد تغيرت من حوله، عندئذ ينظر إلى ما كان يستحسنه بالأمس ويرتضيه، نظرة ازدراء واحتقار، ثم يبدأ الهم والغم يطارده في كل مكان، والضجر والسخط والتبرم من الحياة.
تُرى من الذي أحدث هذا الهم في نفس هذا الإنسان؟. ومن المسؤول عن شقائها؟. ومن الذي سلبه ذلك الرضى، وتلك السعادة، التي كان يتمتع بها نسبياً؟.
أليس المترفون، هم الذين أفسدوا على السواد الأعظم من أفراد المجتمع حياتهم؟. فلكي تتمتع هذه الفئة القليلة في كل مجتمع بالحياة، فإنها تفسد الحياة على الغالبية العظمى من الناس.
ليس بوسع الناس جميعاً أن تبني قصوراً، وتقتني أثاثاً يناسب تلك القصور، ولو حصلوا على ذلك، وهذا محال، فهل يقف الأغنياء منهم عند حد، أم أنهم يسعون جاهدين إلى اختلاق تفنن جديد في الحياة، لكي يظلوا متميزين عن غيرهم من الناس؟.
أجل: إن التسابق يظل موجوداً، لا من أجل الرفاه وحسب، بل من أجل التفاخر والتباهي أمام الآخرين: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}  سورة الحديد(20).
إذاً فالتسابق نحو الرفاه أو نحو التفاخر، ليس له نهاية، لأن النفس لا يستقر سرورها ورضاها طويلاً على شيء ألفته، بل تمجه وتطلب غيره، فكلما قضت من مطلب وطراً تفتقت لها مطالب جديدة، وتنقضي الحياة، وشهواتها لا تنقضي: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ،حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}  سورة التكاثر(1ـ2): ذلك لأن النفس لا نهاية لطاقاتها، فباستطاعتها أن تبتلع لذة الوجود من غير أن تشبع، أو من غير أن تروي طاقاتها اللامتناهية.
أما الله تعالى فقد أعد لها تلك الطاقات الهائلة، لترتوي من معينه الذي لا ينضب، ومن جماله وجلاله وعلمه ورحمته.
وفي الحديث القدسي:

(ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) أحاديث الأحياء رقم/3/.

لذا إن أطاع الإنسان نفسه، وأراد إشباعها من شهوات الدنيا، فإنه يتردى، من غير أن يحقق لها إلا يسيراً من لذائذ الشقاء والضجر والسأم والضنك ويحسب أن فيها سعادته والحقيقة أنها لا تخلصه من شقائه ولا يزداد إلا ضنكاً وهمّاً.
وبذلك التسابق نحو الرفاه، تأخذ الحياة بالتعقيد بدل التبسيط، والشقاء بدل السعادة، ويكون السبب في هذا هم المترفون، الذين أفسدوا الحياة على الفقراء، بما أحدثوه من زخرف وزينة، ونتيجة لهذا الفساد، تفسد الضمائر، وتفسد القيم، ويصبح همُّ الناس جمع المال، ليحققوا به شهواتهم ورغائبهم ولا يهمهم من أي طريق جُلِب، ليكونوا كأمثال من فاقوهم بالترف أو ليتعالوا على من دونهم فيفسدوا قلوبهم ومعيشتهم.
إذاً، فإن الحضارة قد جلبت للناس شقاء وبؤساً، وولَّدت في نفوسهم حقداً وألماً، واستطاعت أن توقع بينهم العداوة، لا سيما بين المترفين والمحرومين، فالمترفون يزدادون غنىً وتسلطاً واستغلالاً، والمحرومون يزدادون فقراً وعبودية وحقداً وإذلالاً. ولا عجب عندئذ أن يتكتل الفقراء ضد الأغنياء، ليسقوهم الكأس نفسه الذي سقوهم منه. ولكن هؤلاء الفقراء الذين حلوا محل ساداتهم، لا بد أن يعيشوا بعد حين بالعقلية ذاتها التي كانت لساداتهم، لأن الغاية التي قاتلوا من أجلها، هي نفسها التي تسنموا ذروتها. فضلاً عن ذلك، فإن كثرة المتطلبات الحضارية، تجعل الإنسان بخيلاً نحو نفسه ونحو ذويه، ولا يفعل من المعروف إلا قليلاً، وعدم فعل المعروف، يعتبر من الأسباب الهامة في تقطيع أواصر المجتمع، وفقدان المحبة فيما بينهم.
ومهما يكن من أمر فإن الأزمة الروحية والخلقية في كل حضارة، لن تُحَلَّ إلا بالقضاء على مسبباتها، وهذا يعني الرجوع إلى شرعة الله، وامتثال أوامره، لأنها هي الشرعة الوحيدة التي تنقذنا من شقاء الدارين. والتي أنقذت الصحب الكرام ومن تابعهم، من أجل ذلك حذر سبحانه وتعالى على لسان رسله من الاستغراق والتوغل في الدنيا لتمحيص طاقاتنا كلها، حتى لا نخسر الآخرة الباقية، وطلب إلينا أن نمشي في مناكبها، أي في أطرافها لا أن نغوص في أعماقها قال تعالى: {... فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } سورة الملك (15).  لأن التوغل كما رأينا، وكما نعيشه الآن في هذا العصر، يحدث في الأرض الفساد، وإذا فسد الشيء، يصبح ضرره أكثر من نفعه، إن لم نقل لم يعد له نفعٌ أبداً.
لم يقتصر إفساد الحضارة على أحوال المعيشة والأخلاق فحسب، بل إنها تفسد علينا طريق الوصول إلى سعادتنا الأبدية، أو الغاية التي خلقنا الله من أجل تحقيقها. من أجل ذلك، حذر سيدنا صالح عليه السلام قومه من مغبة أعمالهم، وبين لهم فسادها، وفساد معتقداتهم، وحذرهم من الفساد الذي أحدثوه في الأرض بعد إصلاحها، فما كان جواب قومه إلا أن: {قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}: تتخيّل تخيّلات وتتكلم. مستور عليك ما في هذه الأمور من نعيم. {مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}  سورة الشعراء (153ـ154).
وقد طلبوا منه آية، تثبت بأنه رسول من الله (4)، فأرسل الله إليهم ناقة ضخمة، لها وِرْدُ يوم، ولهم وِرْدُ اليوم التالي، وبتلك الآية أصبح الماء قسمة بينهم وبينها، إلا أنهم لم يصبروا على تلك القسمة فعقروا الناقة.
وكان تعالى قبلها قد أخذهم بألوان من العذاب ليتوبوا، ويعودوا للحق فيصلحوا سيرهم المعوج، لكنهم تطيروا بصالح عليه السلام ومن معه، فردَّ عليهم بأن ما تطيروا به هو من عند الله، وذلك نتيجة أعمالهم المنحرفة، نتيجة افتتانهم في الدنيا وغرورهم بها.
أجل لقد نصحهم رسولهم مراراً، وبين لهم فساد مسلكهم، وبين لهم طريق سعادتهم في الدنيا والآخرة، إلا أنهم لم يقبلوا نصيحته(5)، بسبب انهماكهم بالدنيا، وعدم تفكرهم بآلاء الله، وبالتالي عماهم القلبي. أوَ يحبون من يحاول نهيهم عن شهواتهم المنحطَّة؟. حتى لو أدت بهم إلى الفساد والتعاسة والشقاء، مما يظنونه دسماً وهو بالحقيقة سمٌ زؤام، ولمّا أطال نصحه لهم، وظنُّوه عائقاً فيما بينهم وبين ما يشتهون، أراد المترفون من قومه أن يتخلصوا منه، فكادوا له مؤامرة، ولكن الله كان لهم بالمرصاد، فقبل أن تصل إليه أيديهم، وقبل أن ينفذوا مكرهم، أخذهم الله، هم وأتباعهم، من حيث لا يشعرون، إذ حاشا لله أن يمكِّن مخلوقاً من أن يلمس الرسول عليه السلام بلمسة أذى، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ}:منهم من آمن ومنهم من لم يؤمن، فالذين لم يؤمنوا قالوا ائتنا بعذاب من عند الله، فأجابهم: {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ...}: قالوا ليفعل الله بنا ما يريد: {...بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ...}: يستعجلون العذاب:{...لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ...}: أهكذا بدلاً من أن تطلبوا الشفاء لنفوسكم: {...لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: يغفر الله لكم. {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ...}: تشاءمنا: {... قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ...}: ما تفعلونه معلوم عند الله، وإن ما يحدث لكم من إنذارات هو من عند الله ورحمته بكم، وليسَ لي به حولٌ ولا قوة: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ... }: قبائل: {... يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ،قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ... }: نقتله، ضاقوا به ذرعاً: {... وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ،وَمَكَرُوا مَكْرًا... }: دبّروا تدبيراً: {...وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}: بأن يَد الله فوق تسييرهم. أي أنّه لا إۤله إلا الله، لا فعّال، لا مسيِّر إلا الله. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ،وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} سورة النمل (45ـ53).
كل هذه الأمثلة تبين رحمة الله تعالى بعباده بأنه يبين للإنسان أن يفكِّر في مصيره وما سيؤول إليه أمره هل هو إلى النعيم أم إلى الجحيم وما الذي يجب عليه أن يعمله ليتجنب الهاوية ويسمو إلى الجنان.

(1) لقد مر معنا عندما تكلمنا عن قوم عاد، بأن قوم ثمود كانوا يقطنون في وادي القرى أو منطقة الحجر، وليست تلك التسمية قد جاءت من وجود الحجارة في منطقة سكناهم، وإنما جاءت من استعمالهم الحجارة بكثرة في أغراض البناء. لقد ذكر تعالى في سورة الفجر الميزة الرئيسية لحضارات ثلاث: حضارة عاد وثمود وقوم فرعون، تلك الميزة هي الناحية العمرانية. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ،إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ،الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ،فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ،إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} سورة الفجر (6ـ14). من تلك الآيات الكريمة يتبين أن الفساد هنا كان نتيجة ما أحدثوه من البناء الضخم الفخم، فقوم عاد قد أشادوا مدينتهم حتى غدت أجمل بلاد الدنيا في ذلك العصر، وقوم ثمود الذين جابوا الصخر من الجبال، ويجلبونها إلى مدينتهم لبناء القصور بواسطة الماء الجاري في الوديان محمولاً على ألواح من خشب أو على سفن معدة لذلك. والفراعنة أيضاً استخدموا وادي النيل لجلب الحجارة من الجنوب لبناء الأهرامات التي وصفها تعالى كما وصف الجبال بالأوتاد، وتم بناء المعابد والقصور وغير ذلك، هذه الأعمال وما يلحق بها من زينة وفسق قد أحدثت الفساد في قلوب العباد، وانقسم المجتمع لطبقات مترفة أو مدقعة بالفقر محرومة مقهورة، فحلّ الشقاق وانهارت الإنسانية، عندئذ صب عليهم ربك سوط عذاب.
(2) قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } سورة هود (61).
(3) قال تعالى على لسان سيدنا صالح: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} سورة الأعراف (74).

(4) قال تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ، وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ} سورة الشعراء (155ـ157).
(5)
انظر الآيات من رقم (73 حتى 80) من سورة الأعراف.

عودة لبداية المقال

اشتراك
إلغاء اشتراك
 
Copyright آ© amin-sheikho.com, All Rights Reserved.
Untitled Document